بيان الحكمة والغاية العظمى من إنزال القرآن وتكليف الرسول ﷺ؛ وهي إنذار قريش والعرب الذين طالت عليهم فترة الانقطاع والجهالة ولم يأت آباءهم الأقربون نذير، فغرقوا في بحار الغفلة والشرك.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 527)جامع البيانالطبري٢٠/٥٢٧: «يقول تعالى ذكره: أنزلنا إليك هذا الكتاب تنزيلاً لتنذر به قوماً وهم قريش، ما أُنذر آباؤهم الأقربون من قبلك؛ لانقطاع الرسل عنهم في زمن الفترة، فهم من أجل ذلك غافلون عما يجب عليهم لله من التوحيد والطاعة ومجانبة المعاصي».
واختلف السلف في تأويل «ما» في قوله: {مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ}:
الوجه الأول (الجمهور وهو اختيار الطبري وقتادة): «ما» نافية؛ أي لتنذر قوماً لم يأت آباءهم الأقربون نذير قبل بعثتك، فهم غافلون لعدم مجيء النذير، كقوله: {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ}.
الوجه الثاني (ابن عباس وعكرمة): «ما» موصولة؛ أي لتنذر قوماً العذاب الذي أُنذره آباؤهم من قبل في عهد إسماعيل وإبراهيم.
الوجه الثالث: «ما» مصدرية؛ أي لتنذرهم إنذارَ آبائهم. والصحيح المشهور عند المحققين هو النفي لأن سياق الامتنان ببعثة النبي ﷺ وإقامة الحجة بعد الفترة يقتضيه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لِتُنذِرَ}: اللام لام التعليل، «تنذر» فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل بالفتحة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والمصدر المؤول متعلق بـ {تَنزِيلَ} أو بـ {الْمُرْسَلِينَ}.
{قَوْمًا}: مفعول به أول لـ «تنذر» منصوب بالفتحة الظاهرة.
{مَّا}: نافية لا عمل لها (على الأرجح)، أو اسم موصول مفعول به ثانٍ.
{أُنذِرَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح.
{آبَاؤُهُمْ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه والميم للجمع، وجملة {مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ} في محل نصب نعت لـ {قَوْمًا}.
{غَافِلُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة معطوفة مسببة عما قبلها؛ أي: تسبب عن انقطاع النذارة عنهم أن وقعوا في الغفلة المظلمة. والغفلة: السهو والذهول عن الحق ونسيان العواقب الأخروية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي يكشف عن العلة الوجودية لبعثة النبي ﷺ؛ فلما كانت أمة العرب في جهالة جهلاء وفترة مظلمة لم يأتهم نذير قريب، فكانوا غافلين عن التوحيد والحساب، اقتضت رحمة «العزيز الرحيم» أن يبعث فيهم هذا النذير بالقرآن الحكيم لإيقاظهم من سبات الغفلة وقطع معذرتهم.
الترتيب السببي البديع: انقطاع النذارة أورث الغفلة: {مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ}، والإنذار بالقرآن هو العلاج الحاسم لهذه الغفلة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التعارض بين نفي إنذار آبائهم وقوله في فاطر {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ}: يتساءل البعض: كيف يُقال هنا {مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ} بينما نصت سورة فاطر على أن كل أمة خلا فيها نذير؟!
رد الشبهة والجمع التحقيقي:
المراد بنفي الإنذار هنا هو «نفي الإنذار الخاص بالآباء الأقربين» المعاصرين لفترة الانقطاع الممتدة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهي فترة دامت قروناً لم يُبعث فيها نبي في جزيرة العرب.
أما آية فاطر: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} فهي عامة في تاريخ الأمة الممتد؛ وقريش قد أُنذر آباؤهم الأقدمون كإسماعيل وإبراهيم عليهما السلام، ولكن لطول الأمد اندثرت معالم الرسالة وبقي الشرك، فناسب نفي الإنذار عن الأقربين وإثباته للأقدمين، وبذلك يزول أي وهم للتعارض ويتأكد كمال التوافق القرآني.
تنكير {قَوْمًا}: لإفادة الشأن والتخصيص؛ أي قوماً مخصوصين وهم أهل مكة ومن حولها من العرب، لتنطلق الرسالة منهم إلى الناس كافة.
الفاء السببية في {فَهُمْ غَافِلُونَ}: لبيان أن الغفلة ثمرة طبيعية لانقطاع الوحي وغياب المذكرين؛ فالقلوب إذا غاب عنها نور النبوة صدئت وركنت إلى العاجلة.
الاسمية في {فَهُمْ غَافِلُونَ} وصيغة الجمع: لإفادة استقرار الغفلة وتمكنها من نفوسهم حتى صارت كالصفة الملازمة لهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة الغفلة وضرورة التذكير المستمر: الغفلة داء عضال يميت القلوب ويورد المهالك، وسلاح دفعها هو التعرض المستمر لآيات القرآن الحكيم ومجالس العلم والموعظة.
مسؤولية الدعاة في زمن الفتور: إذا غاب المصلحون عمت الغفلة، فالواجب على أهل العلم والدعوة أن ينهضوا بإنذار الناس وتنبيههم إلى التوحيد والعمل الصالح اقتداءً بوظيفة النبوة الخالدة.