الجواب القرآني الحاسم والدليل العقلي الأول على حتمية البعث؛ وهو برهان النشأة الأولى (الابتداء أولاً يستلزم الإعادة بالأولى)؛ حيث يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيب هذا الكافر الجاحد المنكر لإحياء العظام الرميمة بحقيقة عقلية وبديهية قطعية: إن الذي يحييها ويبعثها هو الإله القدير الذي خلقها وأنشأها من العدم أول مرة حين لم تكن شيئاً مذكوراً، فالقادر على البدء من غير مثال سابق أهون عليه في ميزان العقل أن يعيدها بعد تفرقها وبلاها، وهو سبحانه بكل ذرة وخلايا وعظم وعصب عليم محيط لا يخفى عليه شيء.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 646)جامع البيانالطبري٢٠/٦٤٦: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهذا المشرك الضارب لك الأمثال، القائل: من يحيي العظام وهي رميم؟: يحيي هذه العظام التي بليت وصارت رميماً الذي خلقها وأنشأها أول مرة ولم تكن شيئاً، والذي ابتدأ خلقها ابتداءً لا يعجزه إعادتها بعد بلائها وفنائها، وهو بكل خلق عليم؛ يعلم عظامهم ولحومهم ودماءهم وأين تفرقت وذهبت في بر الأرض وبحرها وسهلها وجبلها، لا يخفى عليه منها خافية، وهو يجمعها بقدرته التامة».
وقال مجاهد وقتادة: «الذي خلقها أول مرة قادر على إعادتها ثانياً، والإعادة أهون في القياس من الابتداء، وكله على الله هين».
وقال ابن كثير: «هذا برهان عقلي قاطع لا يقبل الدفع؛ من ابتدأ الشيء كان قادراً على إعادته بطريق الأولى، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت (الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل داعية).
{يُحْيِيهَا}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والهاء مفعول به مبني في محل نصب يعود على العظام.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل «يحييها»، والجملة مقول القول في محل نصب.
{أَنشَأَهَا}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. والإنشاء: الاختراع والإيجاد من العدم على غير مثال سابق.
{أَوَّلَ}: مفعول مطلق نائب عن المصدر أو ظرف زمان منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{مَرَّةٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{وَهُوَ}: الواو حالية أو استئنافية، «هو» ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{بِكُلِّ}: جار ومجرور متعلق بعليم، وكل مضاف.
{خَلْقٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، والخلق هنا مصدر بمعنى المخلوق؛ أي بكل مخلوق، أو هو مصدر على بابه؛ أي بكل كيفية خلق وطريقة إيجاد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الرد الفوري المباشر بكلمة {قُلْ} يلقم الخصم حجراً ويحسم المناظرة بضربة عقلية واحدة؛ فلما تساءل الكافر بسخرية: {مَن يُحْيِي الْعِظَامَ}، أتاه الجواب المطابق المتطابق نصاً ومعنى: {يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ}، معتمداً على نفس العلة التي اعترف بها العقل وهي الخلق الأول.
الجمع بين إثبات القدرة التامة بالإنشاء، وإثبات العلم التام بـ {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}؛ لأن إعادة الأجساد تحتاج إلى أمرين عقليين: علم بأجزائها المتفرقة، وقدرة على جمعها، فاجتمعا في الآية بأتم وجه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تفرق أجزاء الميت وذوبانها في عناصر الطبيعة: يقول الدهري: إذا مات الإنسان وأكلته الأسماك ثم أكلت الطيور الأسماك وذرت الرياح فضلاتها في قيعان المحيطات، كيف تجمع هذه الأجزاء بعد أن استحالت إلى مركبات كيميائية أخرى؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لكمال العلم الإلهي المحيط: كشف القرآن حل هذه الإشكالية بكلمة {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}؛ فالذي يجهل أين ذهبت الذرات هو العقل البشري المحدود، أما الله العليم المحيط فلا تعزب عنه ذرة في السماوات ولا في الأرض، ويعلم مستقر كل ذرة ومستودعها وما تنقص الأرض منهم، فإذا أمرها عادت كل ذرة إلى موضعها بدقة تامة: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}.