مشهد الإحضار المباشر والمفاجأة الرهيبة على شفير جهنم؛ حيث توقف قوافل المجرمين وجهاً لوجه أمام دركات النار المستعرة التي طالما كذبوا بها واستهزؤوا بوعيدها في الدنيا، فيقال لهم تقريعاً وتبكيتاً: هذه هي جهنم التي كانت الرسل تنذركم بها والكتب تحذركم منها فكنتم تسخرون.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 619)جامع البيانالطبري٢٠/٦١٩: «يقول تعالى ذكره: ويقال لهؤلاء المجرمين عند إشرافهم على النار: هذه النار التي كنتم في الدنيا توعدون بها على كفركم بالله وتكذيبكم رسله، قد برزت لكم اليوم عياناً حتى تراها أبصاركم».
وقال قتادة ومجاهد: «يقال لهم ذلك توبيخاً وتقريعاً؛ هذه النار التي كنتم تكذبون بها في الدنيا أصبحت حقيقة ترونها بأعينكم».
وقال ابن كثير: «يقال لهم ذلك إهانة وتوبيخاً وتحقيراً؛ يرونها عياناً بأهوالها وزفيرها وشهيقها».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{هَٰذِهِ}: الهاء للتنبيه، و«ذه» اسم إشارة للمؤنث مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ.
{جَهَنَّمُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة ولم تنون للعلمية والتأنيث.
{الَّتِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نعت لـ «جهنم».
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.
{تُوعَدُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة في محل نصب خبر «كنتم»، وجملة كنتم توعدون صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره: توعدونها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإلزام الحسي يأتي متوجاً للتوبيخ الفطري والعقلي في الآيات السابقة؛ فبعد أن وبخهم على اتباع الشيطان وترك الصراط المستقيم وإضلال الأمم، أوقفهم على النتيجة المحتومة لسلوكهم وهي النار؛ لينتقل التبكيت من الحجة النظرية إلى العذاب العياني الحاضر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة زعم الملاحدة والمكذبين في الدنيا أن جهنم خرافة أو أسطورة تخويف: كان المشركون يقولون: أين هذه النار؟ أرونا إياها!
رد الشبهة بالمحاكمة الحسية واليقين القاطع بعد المعاينة: تحول الغيب المستهزأ به إلى حقيقة حسية لا تدع مجالاً لشك بأداة الإشارة للقريب الحاضر {هَٰذِهِ}؛ فانقلب التكذيب إلى صدمة رعب وخزي، وثبت أن تأجيل الرؤية كان لحكمة الابتلاء بالغيب، فإذا عاينوا سقطت كل حجة وبقي العذاب.
الإشارة بـ {هَٰذِهِ} للقريب الحاضر المشهود: للدلالة على مباغتة الحضور وقرب النار المحيطة بهم بحيث يرون لهبها ويسمعون تغيظها وزفيرها.
إيجاز الحذف في القول المقدر: «يقال لهم: هذه جهنم»؛ لسرعة التقريع وشدة وقعه على النفوس دون تمهيد.
التعبير بصيغة المضارع المستمر {تُوعَدُونَ}: تذكيراً لهم بتكرار النذر والإنذارات التي وصلتهم في الدنيا مراراً وتكراراً فاستكبروا عنها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تذكر هذا الموقف العصيب للفرار من أسبابه؛ فالعاقل من يستحضر مشهد الوقوف على شفير جهنم اليوم فيبادر بالتوبة والعمل الصالح قبل أن يقال له: {هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.
الاستعاذة الدائمة من عذاب جهنم وسؤال الله الجنة؛ كما كان دأب النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين في كل صلاة وحين.