تصعيد عدواني من أهل القرية المكذبين؛ باللجوء إلى التطير والتشاؤم بالرسل ودعوتهم المباركة، وتهديدهم بالرجم والتعذيب الأليم إن لم يكفوا عن الدعوة.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 547)جامع البيانالطبري٢٠/٥٤٧: «يقول تعالى ذكره: قال أهل القرية للرسل: إنا تشاءمنا بكم؛ وبما جئتمونا به، فإنه ما أصابنا قحط أو بلاء أو مكروه في بلادنا إلا من أجلكم وبسبب دعوتكم! ثم توعدوهم قائلين: والله لئن لم تنتهوا وتكفوا عما تقولون وتدعون إليه من ترك آلهتنا، لنرجمنكم بالحجارة حتى نقتلكم، وليصيبنكم منا عذاب موجع أليم».
وقال قتادة في قوله: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ}: «أي تشاءمنا بكم؛ يقولون: إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم وبشؤمكم».
وقال مجاهد والسدي: «لَنَرْجُمَنَّكُمْ: الرجم هنا هو القتل بالرمي بالحجارة».
ثبت في «صحيح البخاري» (رقم 5776)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٥٧٧٦ و«صحيح مسلم» (رقم 2220)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٢٢٠ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل»، والتطير من عادات الجاهلية التي تبطل التوحيد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالُوا}: فعل ماض والواو فاعل (أهل القرية).
{إِنَّا}: حرف توكيد ونصب و«نا» اسمها.
{تَطَيَّرْنَا}: فعل ماض مبني على السكون وفاعله «نا»، والجملة خبر «إن». والتطير: التشاؤم بالمرئي أو المسموع؛ مأخوذ من زجر الطير في الجاهلية حيث كانوا ينفرون الطير فإن طار يمنة تفاءلوا وإن طار يسرة تشاءموا ورجعوا.
{بِكُمْ}: متعلق بـ {تَطَيَّرْنَا}؛ أي بسببكم وبدعوتكم.
{لَئِن}: اللام موطئة للقسم، «إن» شرطية جازمة.
{لَّمْ}: جازمة نافية.
{تَنتَهُوا}: مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل، والجملة فعل الشرط.
{لَنَرْجُمَنَّكُمْ}: اللام واقعة في جواب القسم المقدر، «نرجم» مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به والميم للجمع، وجملة جواب القسم سدت مسد جواب الشرط. والرجم: الرمي بالحجارة حتى القتل.
{وَلَيَمَسَّنَّكُم}: الواو عاطفة، اللام واقعة في جواب قسم ثانٍ، «يمسن» مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والكاف مفعول به مقدم والميم للجمع.
{مِّنَّا}: متعلق بـ {يَمَسَّنَّكُم}.
{عَذَابٌ}: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَلِيمٌ}: نعت لـ {عَذَابٌ} مرفوع بالضمة؛ وهو المؤلم الموجع لشدته وفظاعته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يصور إفلاس الباطل الفكري؛ فلما عجز أهل القرية عن مقارعة الحجة والبرهان بعد أن قال الرسل {وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}، تحولوا فوراً إلى سلاح العاجزين:
المؤكدات الصارمة في وعيد الكفار (القسم + نون التوكيد الثقيلة مرتين) تكشف عن غلظة قلوبهم واستعدادهم لسفك الدماء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة الأزمات والمصائب إلى دعوات الإصلاح والدين: تعتاد الأنظمة الظالمة وأهل الفساد في كل عصر أن ينسبوا الأزمات الاقتصادية والقحط والحروب إلى وجود المصلحين والدعاة، قائلين: ما عرفنا هذه الأزمات إلا منذ ظهر هؤلاء!
رد الشبهة والتحقيق السنني المحكم: كشف القرآن زيف هذه الشبهة؛ فالمصائب والنكبات إنما تنزل بالعباد بسبب ذنوبهم وظلمهم وإعراضهم عن شرع الله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}، فالرسل والدعاة هم صمام أمان وبركة للأرض، ونسبة الشرور إليهم قلب للحقائق وانتكاس للعقول؛ كالمريض الذي يعادي الطبيب والدواء ويزعم أنهما سبب مرضه!
التوكيد بنون التوكيد الثقيلة في الفعلين: {لَنَرْجُمَنَّكُمْ} و{وَلَيَمَسَّنَّكُم}؛ تصوير لمدى الشراسة والغلّ المتأصل في نفوس أولئك الطغاة.
التنكير في {عَذَابٌ أَلِيمٌ}: للتهويل وتفخيم أنواع النكال التي يدبرونها لأولياء الله؛ ليشمل الضرب والحبس والإحراق والتعذيب.
الاستعارة في {وَلَيَمَسَّنَّكُم}: تصوير للعذاب كأنه كائن يباشر أجسادهم مباشرة وحشية لا هوادة فيها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اجتثاث خرافة التطير والتشاؤم: على المسلم أن يطهر قلبه من التشاؤم بالأشخاص، أو الأزمنة، أو الأرقام، أو الأحداث؛ موقناً أن الخير والشر بيد الله، والتطير شرك ينافي كمال التوكل.
الصبر عند تهديد الباطل وتوقع الابتلاء: طريق الأنبياء محفوف بالتهديد بالسجن والقتل والتعذيب، فالداعية المخلص يوطن نفسه على الصبر والثبات متوكلاً على العزيز الحكيم.