تصوير تمثيلي حسي باهر يجسد حالة الران القلبي والاستكبار النفسي الذي يقيد رؤوس الكفار وأعناقهم عن الانحناء للحق، أو هو تصوير لعذابهم الحسي المقيد في سلاسل جهنم يوم القيامة.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 530)جامع البيانالطبري٢٠/٥٣٠: «يقول تعالى ذكره: إنا مثلنا هؤلاء المشركين الذين حق عليهم القول بأنهم لا يؤمنون، بمثل قوم جُعلت في أعناقهم أغلال جُمِعت بها أيديهم إلى أعناقهم، وضُمّت تلك الأغلال إلى أذقانهم، فارتفعت رؤوسهم إلى السماء وغضت أبصارهم، فهم مقمحون لا يستطيعون أن يخفضوها ولا يلتفتوا يمنة ولا يسرة؛ وهذا مثل ضربه الله لامتناعهم عن الإيمان وخضوع قلوبهم للحق واستكبارهم عنه».
وأخرج الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَهُم مُّقْمَحُونَ} قال: «المقمح: الرافع رأسه والغاض بصره لا يطرف»، وقال مجاهد وقتادة: «مقمحون: رافعو رؤوسهم من شدة الغل قد غُلّت أيديهم إلى أعناقهم».
وروى السدي ومحمد بن إسحاق: أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً يصلي عند الكعبة ليرضخن رأسه بحجر، فجاء ومعه حجر، فلما دنا منه رجع القهقرى ورعب وفزعت يداه والتزقتا بعنقه وجف الحجر في يده، فنزل قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا...}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّا}: حرف توكيد ونصب، و«نا» اسمها.
{جَعَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون وفاعله «نا» (نون العظمة)، والجملة في محل رفع خبر «إن». والجعل هنا تصيير وتمثيل وتكوين.
{فِي أَعْنَاقِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لـ «جعلنا»، والهاء مضاف إليه، والأعناق جمع عنق وهو موضع الأغلال.
{أَغْلَالًا}: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة، جمع غِلّ بالكسر؛ وهو القيد الحديدي الذي يجمع اليدين إلى العنق بإحكام شاق.
{فَهِيَ}: الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، «هي» ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ، والضمير يعود على الأغلال (أو على الأيدي المفهومة من سياق الغل لأن الغل يجمع اليد إلى العنق).
{إِلَى الْأَذْقَانِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ «هي». والأذقان: جمع ذقن؛ وهو مجمع اللحيين ومسقط شعر اللحية من الوجه.
{مُّقْمَحُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة معطوفة. والمقمح: اسم مفعول من أقمحه الغل إذا ضمه حتى رفع رأسه وغض بصره قهراً؛ يقال: أقمحت البعير إذا رفعت رأسه بالخطام لئلا يشرب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم التصويري العجيب هو الشرح والتفصيل لقوله في الآية السابقة: {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}؛ فبين الله الهيئة المعنوية والنفسية التي تحول بينهم وبين الإيمان؛ فهم كمن قُيد بأغلال حديدية بلغت ذقنه، فرفعت هامته غصباً إلى العلو، فلا يستطيع أن يخفض رأسه لينظر إلى مواضع قدميه، فكذلك قلوبهم تلبست بكبرياء غليظ يمنعهم من الخضوع والانحناء للحق.
التعقيب بالفاء في {فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ} يصور حركة ميكانيكية قاهرة تتابع فيها أجزاء القيد حتى شلت الحركة بالكلية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة تقييد الكفار بالأغلال إلى الله: يتساءل البعض: كيف يجعل الله في أعناقهم أغلالاً تمنعهم من الإيمان ثم يعاقبهم؟
رد الشبهة والتحقيق البياني والشرعي:
بين أئمة التفسير أن هذا «تمثيل استعاري بديع» لصفة الكبر والعناد التي اختاروها بأنفسهم؛ فلما أصروا على الاستكبار عاقبهم الله بحرمانهم من التوفيق والخشوع، فصارت عاداتهم في العناد كالأغلال الثقيلة التي تحبسهم عن الحق.
أو هو إخبار عما سيحل بهم حساً وواقعاً في نار جهنم يوم القيامة؛ حيث تُغل أيديهم إلى أعناقهم ويُسحبون في الحميم، وصيغة الماضي {جَعَلْنَا} لتحقق الوقوع كأنه وقع وانتهى، فلا ظلم في الحالين بل هو جزاء وفاق لاستكبارهم الدنيوي.
التمثيل الإعجازي الرائع (التشبيه التمثيلي المركب): تصوير حالة المانع النفسي والمعنوي بحالة حسية مشخصة؛ فالغل ضيق العنق، وارتفاعه إلى الذقن شل حركة الرأس، والإقماح رفع الرأس كبراً وكرهاً، مما يجسد شناعة الهيئة ورداءة العاقبة.
التنكير في {أَغْلَالًا}: لإفادة العظمة والفظاعة والكثرة؛ فهي أغلال متعددة من الكبر والشهوات والأحقاد والتقليد.
دلالة كلمة {مُّقْمَحُونَ}: لفظ فريد لا تجد له بديلاً في لغة العرب يجمع بين رفع الرأس قسراً، وغض البصر ذلاً، وشلل الإرادة حيرةً وانكساراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحذير من أغلال الكبر الخفية: إن أخطر قيد يصيب الإنسان هو قيد الكبر والأنفة الكاذبة التي تمنعه من الاعتراف بالخطأ وقبول النصيحة؛ فمن تعاظم برأسه أقمحه الله في أوهامه وحرمه لذة التواضع والسجود.
شكر نعمة الخضوع لله: أن يحمد المؤمن ربه أن فك عن عنقه أغلال الكبر، وجعل رأسه خاضعاً ذليلاً في السجود بين يدي الله، فالسجود هو الحرية التامة من كل أغلال الشياطين والجاهليات.