سهولة الإحياء والجمع والحشر أمام كمال القدرة الإلهية، وحتمية حضور جميع الخلائق؛ فما كان أمر إعادتهم وإحضارهم جميعاً من لدن آدم إلى آخر الخلق إلا صيحة واحدة وهي نفخة البعث في الصور، فإذا بجميع الأجيال والخلائق محشورون مجموعون بين يدي الله، لا يتخلف منهم أحد ولا يعجز الله منهم هارب.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 603)جامع البيانالطبري٢٠/٦٠٣: «يقول تعالى ذكره: ما كانت فعلة البعث وإحياء الموتى بعد فنائهم إلا نفخة وصيحة واحدة، فإذا جميع الخلائق الذين ماتوا من أول الدهر إلى آخره محضرون عندنا في عرصات القيامة، للحساب والجزاء، لا يغيب منهم أحد».
وقال قتادة: «صيحة واحدة أحيت كل ميت وأحضرت كل غائب».
وقال ابن كثير: «أي ما أمر البعث إلا صيحة واحدة يأمر الله بها إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث، فإذا الأولون والآخرون قيام ينظرون، محضرون لدى الله للحساب وفصل القضاء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِن}: حرف نفي بمعنى «ما».
{كَانَتْ}: فعل ماض ناقص ناسخ مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، واسم «كان» ضمير مستتر تقديره: هي، يعود على الواقعة أو النفخة أو القيامة.
{إِلَّا}: أداة استثناء وحصر ملغاة.
{صَيْحَةً}: خبر «كان» منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَاحِدَةً}: نعت لصيحة منصوب بالفتحة الظاهرة. وقرئ بالرفع {صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ} فتكون «كان» تامة بمعنى: ما وقعت إلا صيحة واحدة.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة تفيد الفورية والمفاجأة، «إذا» الفجائية لا محل لها من الإعراب.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{جَمِيعٌ}: نعت أو توكيد أو خبر أول للمبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لَّدَيْنَا}: ظرف مكان مبني على السكون في محل نصب متعلق بمحضرون، و«نا» ضمير مضاف إليه.
{مُحْضَرُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة الفجاءة معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكرار قوله {إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} يربط بين الصيحتين الفاصلتين في الوجود؛ الأولى صيحة الصعق والإماتة {مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ}، والثانية صيحة البعث والحشر {إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ}، ليدل على أن الإفناء والإحياء بكلمة واحدة وصيحة واحدة لا تكلف في شيء منهما مشقة على الله.
التعبير بـ {مُحْضَرُونَ} يفيد القهر؛ فهم لم يأتوا باختيارهم، بل أحضروا كرهاً وجبراً للمحاكمة العظمى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استبعاد اجتماع بلايين البشر من لدن آدم إلى قيام الساعة في صعيد واحد في لحظة: كيف تجتمع كل هذه الأمم التي ذرتها الرياح أو أكلتها الحيتان والوحوش دون أن يفلت منها فرد؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية لإحاطة العلم والقدرة التامة: إن الصانع الذي أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً لا تضل عنه ذرة، ولفظ {لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} يبين أنهم جميعاً في قبضة الجبار المحيطة؛ فالأرض كلها قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، فاجتماع الخلائق بالنسبة للقدرة الإلهية المطلقة كحضور رجل واحد: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}.