صدمة المكذبين ودهشتهم الكبرى عند معاينة البعث الذي أنكروه طويلاً؛ حيث يستيقظ المشركون والكفار فزعين مبهوتين ينادون بالويل والثبور على أنفسهم: من الذي أخرجنا وبعثنا من قبورنا ومراقدنا؟ فيرد عليهم المؤمنون أو الملائكة الكرام: هذا هو اليوم الذي وعد به الرحمن وصدق فيه الرسل الصادقون فكذبتم بهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 600)جامع البيانالطبري٢٠/٦٠٠: «يقول تعالى ذكره: قال الكفار إذا أخرجوا من قبورهم وعاينوا هول المحشر: يا ويلنا! يدعون بالهلاك على أنفسهم لشدة ما عاينوا، من بعثنا من مرقدنا؛ أي من مضجعنا وقبورنا التي كنا فيها؟ فقيل لهم - وقاله المؤمنون أو الملائكة -: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون فيما أخبروكم به في الدنيا».
وروى ابن أبي حاتم عن أبي صالح ومجاهد وابن عباس قالوا: «إن الكفار إذا عاينوا أهوال القيامة وعذاب النار تمنوا لو كانوا في عذاب القبر؛ فكان عذاب القبر بالنسبة لما عاينوه كالمرقد والنوم لشدة ما استقبلهم من الأهوال، فيقولون: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا! فتجيبهم الملائكة أو المؤمنون: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون».
وقال قتادة: «المرقد: القبر، كانوا ينامون بين النفختين هدأة يسيرة فيحسبون أنهم كانوا في مرقد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{يَا وَيْلَنَا}: «يا» حرف نداء، «ويلنا» منادى مضاف منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مصدر لا فعل له من لفظه، و«نا» مضاف إليه، والدعاء بالويل للتحسر وتمني الهلاك.
{مَن}: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{بَعَثَنَا}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، و«نا» ضمير مفعول به، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ «من»، وجملة الاستفهام مقول القول في محل نصب.
{مِن مَّرْقَدِنَا}: جار ومجرور متعلق ببعثنا، والمرقد اسم مكان من رقد يرقد، و«نا» مضاف إليه. والوقف تام أو حسن على {مَّرْقَدِنَا}، وفيه علامة سكتة لطيفة عند حفص عن عاصم للفصل بين كلام الكفار وكلام المجيبين لهم.
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، و«ذا» اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ «هذا»، أو مصدرية؛ أي هذا وعد الرحمن.
{وَصَدَقَ}: الواو عاطفة، «صدق» فعل ماض مبني على الفتح.
{الْمُرْسَلُونَ}: فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة معطوفة على جملة وعد الرحمن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناسب بديع بين استعجالهم الساخر في الدنيا {مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ}، وبين ندمهم وهلعهم الصاعق في الآخرة {يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}؛ فالاستهزاء تحول إلى عويل، والشك تحول إلى يقين مذل.
الفاصل بين الاستفهام والجواب يبرز انتقال المشهد من الدهشة والاضطراب إلى تثبيت الحجة وإلزامهم بما كانوا يكذبون به.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم نفي عذاب القبر من تسمية القبور {مَّرْقَدِنَا}: قد يستدل منكر عذاب القبر بقولهم «مرقدنا» على أن الميت يكون في نوم وسبات دائم لا عذاب فيه حتى يبعث!
رد الشبهة بالمحاكمة التحليلية والتفسيرية المعتمدة: تسمية القبر مرقداً جاءت على لسان الكفار لسببين بينهما أئمة التفسير؛ الأول: لما عاينوه من أهوال القيامة والنار التي تفوق عذاب القبر بأضعاف مضاعفة، صار عذاب البرزخ عندهم بالمقارنة هيناً يشبه الرقاد، كما يقال للبلاء الأقل رقدة وراحة أمام البلاء الأعظم. الثاني: أن بين النفختين (نفخة الصعق ونفخة البعث) أربعين يرفع فيها عنهم العذاب فيرقدون، فلما بعثوا صرخوا متفجعين. فلا حجة في الآية أبداً لنفي عذاب البرزخ الثابت بالأحاديث المتواترة وإجماع أهل السنة.
إيثار اسم {الرَّحْمَٰنُ} في الجواب {هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ}: تذكيراً لهم بأن الإله الذي كفروا به هو الرحمن الذي غمرهم بنعمه في الدنيا وأمهلهم، وكان وعده حقاً، وتبياناً لأن رحمته وسعت المؤمنين وضاقت عن المعاندين.
التصريح بصدق الرسل {وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}: اعتراف نهائي ساحق بصدق النبوة بعد فوات الأوان وسقوط كل شبهات التكذيب.
السكتة اللطيفة عند حفص على {مَّرْقَدِنَا}: لطيفة صوتية تبرز انقطاع دهشة المشرك وبدء صوت الحقيقة واليقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
النجاة باليقين والاستعداد اليوم؛ لئلا يكون العبد ممن يصرخ يوم القيامة بالويل والثبور.
الثقة المطلقة بوعد الله وصدق رسله؛ فكل ما أخبر به القرآن من المغيبات واقع كأنه رأي عين، والمؤمن يعيش بنور هذا الوعد في الدنيا فيفرح بلقاء ربه.