رد الرسل الحاسم والمنطقي على تطير أهل القرية وتهديدهم؛ ببيان أن شؤمهم وبلاءهم نابع من كفرهم وظلمهم المصاحب لهم، وإنكار لتطيرهم عند التذكير، وكشف لطبيعتهم المسرفة المتجاوزة للحدود.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 548)جامع البيانالطبري٢٠/٥٤٨: «يقول تعالى ذكره: قالت الرسل لأهل القرية: شؤمكم وحظكم من الشر معكم وبسبب كفركم وشرككم وأفعالكم القبيحة، ألئن وعظتم بالله وخُوفتم بأسه تطيرتم وتشاءمتم وتوعدتم بالرجم والقتل؟! بل أنتم قوم مسرفون متجاوزون للحدود في العصيان والشرك وسفك الدماء».
وقال قتادة في قوله: {طَائِرُكُم مَّعَكُمْ}: «أي شؤمكم معكم بأعمالكم وكفركم، ليس من قِبلنا ولا بسببنا».
وقال ابن عباس: «طائركم معكم: أي أرزاقكم ومصائبكم مقدرة بأعمالكم، ألئن ذكرتم بالتوحيد تطيرتم بالرسل؟!».
وقرأ الجمهور {أَئِن ذُكِّرْتُم} بالاستفهام المسهل أو المحقق، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ورويس بتسهيل الهمزة، وقرأ زيد بن علي بنصب «أَن» على التعليل؛ أي لأن ذُكرتم تطيرتم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالُوا}: فعل ماض والواو فاعل (الرسل).
{طَائِرُكُم}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، والكاف مضاف إليه والميم للجمع؛ والطائر لغة: حظ الإنسان وقدره ونصيبه من الخير والشر، وأصله ما يتفاءل أو يتشاءم به من حركة الطير ثم أُطلق على الشؤم والبلاء.
{مَّعَكُمْ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والكاف مضاف إليه؛ والمعية هنا تفيد اللزوم والمصاحبة التامة؛ أي ملازم لكم لا ينفك عنكم.
{ذُكِّرْتُم}: فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعل والميم للجمع، وجواب الشرط محذوف تقديره: تطيرتم وتشاءمتم وتوعدتم بالقتل؟! ودل عليه السياق السابق. والتذكير: الوعظ بالحق والتنبيه على براهين التوحيد.
{بَلْ}: حرف إضراب إبطالي وانتقالي.
{أَنتُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{قَوْمٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مُّسْرِفُونَ}: نعت لـ {قَوْمٌ} مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والإسراف: مجاوزة الحد والاعتدال في كل شيء؛ في الكفر، والجحود، والعدوان، والجهل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج رد الرسل في النظم والبيان بأعلى درجات الإفحام:
تفكيك دعوى الشؤم وردها إلى مصدرها الحقيقي: {طَائِرُكُم مَّعَكُمْ}؛ أي العيب فيكم وفي كفركم لا فينا.
الاستنكار التوبيخي الصاعق: {أَئِن ذُكِّرْتُم}؛ فهل يُجازى من جاء يذكركم وينقذكم بالتهديد بالرجم والتشاؤم؟!
الإضراب الانتقالي لكشف أصل المرض الجذري: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ}؛ لتبيين أن المشكلة ليست في الحجة بل في الإسراف والطغيان المتأصل في نفوسهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعليق المصائب بالأشخاص أو الأسباب الوهمية: يميل الإنسان الجاهل إلى البحث عن «كبش فداء» يعلق عليه إخفاقاته وأزماته وذنوبه.
رد الشبهة بالمحاكمة السببية الأخلاقية: قررت الآية قاعدة المسؤولية الذاتية: {طَائِرُكُم مَّعَكُمْ}؛ فالإنسان هو صانع شؤمه وبؤسه بذنوبه ومخالفته للفطرة والشرع؛ فمن عصى الله جلب الشؤم على نفسه ومجتمعه، ولا علاقة للرسل ولا للصالحين بنزول البلاء إلا من باب أنهم يدعون إلى تركه، فقابلوا الدواء بالعداء إسرافاً وعناداً.
المجاز المرسل أو الاستعارة في {طَائِرُكُم}: استعار الطائر للحظ والنصيب المشؤوم لمشاكلة زعمهم في «تطيرنا»، ثم أتبعها بـ {مَّعَكُمْ} لبيان أنه لصيق بهم لا يفارقهم كظلالهم.
إيجاز الحذف البليغ في جواب الشرط لـ {أَئِن ذُكِّرْتُم}: حذف الجواب لتهويل الفعل التقبيحي؛ أي ألئن وعظتم بما فيه نجاتكم وسعادتكم قابلتم النصح بالرجم والتهديد؟! وهو قمة الجحود والانتكاس.
الوصف بالقومية والإسراف في {قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ}: التعبير بـ «قوم» يفيد أن الإسراف والعتو صار سجية جمعية متأصلة في القوم، والإسراف تجاوز لكل الحدود العقلية والأخلاقية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مواجهة التهم بالحكمة والجرأة الحقوقية: الداعية لا ينكسر أمام التهم الباطلة والتشاؤم، بل يرد بصلابة وعلم: البلاء في معاصيكم وكفركم، وليس في دعوتنا.
الحذر من داء الإسراف: الإسراف ليس فقط في المال والطعام، بل أعظم الإسراف هو الإسراف في المعاصي والتكبر على الحق ورد النصيحة، وعاقبته الهلاك.