نكير القرآن الشديد على حماقة المشركين وتناقض مسلكهم وسقوط عقولهم؛ فبدلاً من أن يشكروا الله الواحد الذي خلق لهم الأنعام وسخر لهم الأرض والسماء وأسبغ عليهم نعمه، ذهبوا يتخذون من دونه أصناماً وأوثاناً وأرباباً عاجزة يعبدونها، راجين أن تنصرهم عند الله وتدفع عنهم المكاره أو تشفع لهم في الشدائد، فيا لضلال الأوهام!
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 638)جامع البيانالطبري٢٠/٦٣٨: «يقول تعالى ذكره: ومع هذه النعم العظام التي أنعم الله بها عليهم من الأنعام والمنافع والمشارب، عبد هؤلاء المشركون من دون الله الذي خلقهم وخلق هذه النعم لهم آلهة باطلة من الأصنام والأوثان، رجاء أن تنصرهم تلك الآلهة فتمنعهم من عذاب الله إن نزل بهم».
وقال ابن كثير: «ينكر تعالى على المشركين اتخاذهم الأنداد آلهة يعبدونها من دونه لعلهم ينصرون؛ أي يرجون أن تنصرهم تلك الآلهة وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى، وهي جماد لا تنفع ولا تضر ولا تملك لنفسها شيئاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَاتَّخَذُوا}: الواو استئنافية أو حالية، «اتخذوا» فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل. والاتخاذ: افتعال يدل على التكلف والاختلاق لما ليس بحق.
{مِن دُونِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من آلهة أو متعلق باتخذوا. ودون تفيد المغايرة والمباينة.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{آلِهَةً}: مفعول به أول لـ «اتخذوا» منصوب بالفتحة الظاهرة، والمفعول الثاني محذوف تقديره: معبودات أو شركاء، أو «آلهة» مفعول به على التضمين.
{لَّعَلَّهُمْ}: «لعل» حرف ترجّ ونصب، و«هم» اسمها.
{يُنصَرُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر «لعل»، وجملة {لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} في محل نصب حال أو تعليلية للاتخاذ بحسب زعمهم الباطل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التعقيب يرسم أقبح صور المفارقة والانتكاس العقلي؛ ففي الآية السابقة قال: {أَفَلَا يَشْكُرُونَ}، فكان المنتظر عقلاً وفطرة أن يسجدوا لله شكراً ويوحدوه، ولكنهم قلبوا الفطرة واتخذوا من دونه آلهة! فالمقابلة بين كمال الإنعام الإلهي وقبح الشرك الشركي تبرز شناعة الجرم وسقوط العقل المشرك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اتخاذ الوسائط والآلهة الباطلة طلباً للنصر والشفاعة: زعم كفار قريش والمشركون قديماً وحديثاً أنهم ما اتخذوا الأصنام والأولياء كخالقين مستقلين، بل اتخذوهم شفعاء لينصروهم ويقربوهم إلى الله زلفى.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية في انقطاع النصر عن الجمادات والعجزة: النصر والرزق ودفع الضر ملك حصري للخالق القادر وحده؛ فالوسائط التي لا تملك لنفسها نفعاً ولا تدفع عن ذاتها أذى كيف يرجى منها نصر العابدين؟ إن تعليق النصر بغير القادر الحقيقي رجاء باطل ووهم وسراب يورث الخيبة والخذلان في الدنيا والآخرة.