جواب القَسَم الإلهي الصادر لتوكيد رسالة النبي محمد ﷺ، ودحر تكذيب قريش وجحودها.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 524)جامع البيانالطبري٢٠/٥٢٤: «يقول تعالى ذكره: أقسم بالقرآن الحكيم إنك يا محمد لمن المرسلين من قبلي بالوحي إلى عبادي، ولست بساحر ولا كاهن ولا مجنون كما يزعم المشركون من قومك».
وقال ابن كثير: «هذا هو المقسَم عليه، وهو إثبات رسالته ﷺ، رداً على كفار قريش الذين أنكروا نبوته وقالوا: لست مرسلاً».
وقال قتادة: «أقسم الله لنبيه ﷺ بالقرآن الحكيم أنه لمن المرسلين، ردًا على كفار مكة حين كذبوه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّكَ}: «إن» حرف توكيد ونصب ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، والكاف ضمير متصل مبني على الفتح في محل نصب اسم «إن».
{لَمِنَ}: اللام هي اللام المزحلقة تفيد توكيد الخبر، «من» حرف جر مبني على السكون وحرك بالفتح لالتقاء الساكنين.
{الْمُرْسَلِينَ}: اسم مجرور بـ «من» وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر «إن»، والجملة الاسمية لا محل لها من الإعراب جواب القسم. والمرسلون: جمع مرسَل، وهو من حمله الله رسالة وأمره بتبليغها إلى الخلق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي جاء في غاية القوة والتثبيت؛ فقد واجه تكذيب كفار قريش الصريح المذكور في سورة الرعد: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا}؛ فجاء الرد الرباني هنا في يس قاطعاً لكل ريب بجواب قَسَم مصدّر بثلاثة مؤكدات عظمى: القسم بالقرآن، وحرف التوكيد {إِنَّ}، واللام المزحلقة {لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}.
عطف المرسلين بصيغة الجمع لبيان أنه سائر في موكب النبوات والرسالات السالفة وليس بدعاً في الوجود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إنكار نبوة النبي محمد ﷺ من مشركي قريش: زعم المشركون أن محمداً ﷺ كاذب أو شاعر أو معلم مجنون.
رد الشبهة بالمحاكمة التاريخية والأخلاقية والإعجازية: قوبل إنكارهم بهذا القسم المؤكد؛ لأن صدق نبوته ﷺ معلوم عندهم قبل البعثة بالضرورة؛ فقد عاش بينهم أربعين سنة بالصدق والأمانة ونقاء السيرة حتى لقبوه بـ «الصادق الأمين»، ثم جاءهم بهذا القرآن الحكيم الذي عجز فصحاؤهم مجتمعين عن الإتيان بسورة من مثله، فإذا اجتمع كمال الصدق في الناقل وكمال الإعجاز في المنقول، ثبت عقلاً وبداهةً أنه رسول من عند الله قطعا، وإنكاره إنما هو مكابرة وجحود: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}.
تراكم المؤكدات البلاغية: القسم + إنّ + اللام المزحلقة + الجملة الاسمية؛ لتنزيل المخاطبين منزلة المنكر المعاند المشكك الذي يحتاج إلى أقصى درجات الإلزام، ولتثبيت فؤاد النبي ﷺ وسكب السكينة في روحه الشريفة.
إيراد {الْمُرْسَلِينَ} بالجمع المعرّف بأل: لإفادة أنه داخل في زمرة أشرف الخلق وأعظمهم قدراً عند الله، وهم الرسل الكرام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين المطلق بالنبوة المحمدية: أن يستقر في روع المؤمن إيماناً راسخاً لا يتزعزع بأن محمداً ﷺ رسول الله حقاً، وأن اتباعه هو النجاة وطاعته هي الفلاح.
تسلية الدعاة والمصلحين: إذا كان إمام الأنبياء كُذّب حتى احتاج إلى هذا القسم الإلهي لتثبيته، فليعلم كل داعية يدعو إلى الحق أنه سيلقى تكذيباً من أهل الأهواء، وعليه أن يستمد يقينه من كتاب ربه.