مشهد مشرق وفريد في تاريخ الصدع بالحق؛ بروز البطل المؤمن الفرد (مؤمن آل يس) الذي تحركت في قلبه حمية الإيمان لما سمع بتهديد قومه للرسل، فأقبل مسرعاً من أطراف المدينة لينصح قومه ويثبت الرسل ويدعو إلى التوحيد.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 550)جامع البيانالطبري٢٠/٥٥٠: «يقول تعالى ذكره: وجاء من أبعد موضع في المدينة رجل يسرع في مشيه سعياً وحرصاً على نصيحة قومه ونجاتهم لما بلغه أنهم هموا بقتل الرسل؛ فقال يا قوم: أطيعوا هؤلاء الرسل الذين بعثهم الله إليكم واتبعوا ما يدعونكم إليه من التوحيد والهدى».
وأخرج الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة ومجاهد: «أن هذا الرجل اسمه حبيب بن مري، وكان قصاراً ينحت الأصنام ثم آمن، وقيل كان نجاراً، وكان مجذوماً قد اعتزل الناس في أقصى المدينة يعبد الله في غار، فلما بلغه خبر الرسل وتكذيب قومهم جاء يسعى ناصحاً لله ولدينه».
وقال قتادة: «رجل يسعى: أي يشتد في مشيه حرصاً على قومه أن ينزل بهم العذاب».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَجَاءَ}: الواو استئنافية عاطفة لمشهد جديد، «جاء» فعل ماض مبني على الفتح.
{مِنْ أَقْصَى}: جار ومجرور متعلق بـ {جَاءَ} وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وأقصى: اسم تفضيل مأخوذ من القَصَا وهو البعد الشديد؛ أي من أبعد أطرافها وضواحيها.
{الْمَدِينَةِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة؛ والمراد بها القرية المذكورة سابقاً وسُميت مدينة لاتساعها واجتماع أهلها.
{يَسْعَىٰ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة الفعلية في محل رفع نعت لـ {رَجُلٌ} (أو حال). والسعي: المشي السريع الحثيث المقترن بالجد والاهتمام بالهدف.
{قَالَ}: فعل ماض والفاعل مستتر، والجملة استئنافية بيانية.
{يَا قَوْمِ}: «يا» حرف نداء، «قوم» منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف والكسرة دالة عليها منصوب بفتحة مقدرة.
{اتَّبِعُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{الْمُرْسَلِينَ}: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجملة مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يمثل ذروة التحول الدرامي الإيماني في القصة؛ فبعد أن أطبق كفار القرية واستكبروا وتوعدوا الرسل الثلاثة بالرجم والعذاب، جاء هذا الدعم غير المتوقع من أقصى أطراف المدينة ومن رجل مفرد من عامة الناس؛ ليعلم الجميع أن صوت الحق لا ينقطع وأن الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب حرك أصحابه للتضحية والفداء.
التقديم البلاغي لـ {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} على الفاعل {رَجُلٌ}؛ لبيان عظم المسافة التي قطعها سعياً واهتماماً، وأن نور الهداية قد يبلغ الأطراف والأكواخ النائية بينما تعمى عنه القصور في قلب المدينة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إبهام اسم الرجل ومكانته الاجتماعية في النص: يتساءل البعض: لماذا لم يذكر القرآن اسمه ومركزه؟
رد الشبهة والتحقيق التربوي والاجتماعي: إبهام اسمه ووصفه بـ «رجل» تنكير تعظيمي، ورسالة إلهية خالدة بأن العبرة ليست بالأنساب والمناصب والأسماء الرنانة، بل بـ «الموقف والصدق والعمل»؛ فكلمة {رَجُلٌ} تخلع عليه وسام الرجولة الحقة في ميزان الله؛ فالرجولة القرآنية هي الثبات والصدع بالحق في مواقف الخوف: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}.
تقديم الجار والمجرور {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ}: للدلالة على علو همته واحتراقه للدعوة؛ فلم يثبطه بعد الدار ولا مشقة الطريق ولا مرضه عن السعي لنصرة دين الله.
التعبير بالفعل المضارع {يَسْعَىٰ}: لاستحضار الصورة الحية لحركته وسرعته ولهفته على إنقاذ قومه وهدايتهم.
التلطف في النداء بـ {يَا قَوْمِ}: استعطاف كريم يذكّرهم بأواصر الرحم والقرابة، وينفي عن نفسه أي غرض خبيث تجاههم، فهو منهم وناصح لهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إيجابية الفرد المسلم ودوره في نصرة الحق: هذا الرجل المؤمن لم يقل: ما لي ولهم، هناك ثلاثة رسل مؤيدون بالمعجزات يكفون عني! بل شعر بمسؤوليته الشخصية وجاء يسعى لنصرة الدين؛ فكل مسلم ثغرة من ثغور الإسلام، ولا يُعذر أحد في ترك نصرة الحق بحجة وجود غيره.
الحرص والشفقة على المدعوين: الداعية الصادق يتحرك في قلبه دافع الرحمة والشفقة بقومه؛ فيسعى جاهداً لإنقاذهم من عذاب الله قبل فوات الأوان.