إعلان ميزان العدل الإلهي المطلق في يوم الحساب والجزاء؛ حيث يخبر سبحانه أنه في ذلك اليوم الرهيب لا يقع أدنى ظلم على أي نفس كانت، فلا ينقص من حسنات محسن قيد خردلة، ولا يزاد في سيئات مسيء مثقال ذرة، بل يكون الجزاء وفاقاً ومطابقاً لما قدمه العباد من أعمال في دار التكليف.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 604)جامع البيانالطبري٢٠/٦٠٤: «يقول تعالى ذكره: ففي هذا اليوم - وهو يوم القيامة - لا تظلم نفس شيئاً من مظلمة بنقصان ثواب حسنة عملتها في الدنيا، ولا بزيادة عقاب سيئة لم تعملها، ولا تجزون أيها الناس في هذا اليوم إلا بما كنتم تعملون في الدنيا؛ إن خيراً فخير وإن شراً فشر».
وقال مجاهد وقتادة: «عدل من الله تام؛ لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، ولا يعاقب إلا بما كسبت يداه».
وقال ابن كثير: «أي في يوم القيامة يحكم الحاكم العدل بالقسط الذي لا يجور فيه، فلا تظلم نفس شيئاً، ويوفى كل عامل جزاء عمله بالعدل والفضل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَالْيَوْمَ}: الفاء فصيحة أو استئنافية، «اليوم» ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بتظلم أو بمحذوف تقديره: يقال لهم اليوم.
{لَا}: نافية لا عمل لها.
{تُظْلَمُ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة الظاهرة.
{نَفْسٌ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، ونكرت في سياق النفي للعموم.
{شَيْئًا}: مفعول مطلق نائب عن المصدر منصوب بالفتحة؛ أي لا تظلم ظلماً قليلاً ولا كثيراً، أو مفعول به ثانٍ لـ «تظلم».
{وَلَا}: الواو عاطفة، «لا» نافية.
{تُجْزَوْنَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل.
{إِلَّا}: أداة استثناء وحصر ملغاة.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ «تجزون»، أو مصدرية؛ أي إلا جزاء عملكم.
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص، والتاء اسمه.
{تَعْمَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب خبر «كان»، وجملة «كنتم تعملون» صلة الموصول والعائد محذوف؛ أي تعملونه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما قرر في الآية السابقة إحضار جميع الخلائق قهراً للحساب {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ}، طمأن النفوس وأقام الحجة بإعلان ميزان العدالة المطلقة؛ ليعلم الجميع أن هذا الحشر والإحضار ليس للبطش والتشفي، بل لإقامة القسط وتوفية الحقوق بالحق الذي لا ريب فيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم العقوبة بغير ذنب أو المحاباة بالوساطة والرشوة كما في محاكم الدنيا: قد يتخوف الإنسان بناءً على قياس فاسد على قضاة الدنيا من وقوع تحيز أو خطأ في الحساب.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لكمال العدل الإلهي والتطابق الجزائي: نصت الآية على قاعدة قرآنية كلية حاسمة تنفي جنس الظلم نفياً باتاً بتنكير {نَفْسٌ} و{شَيْئًا}؛ فلا واسطة تنجي ظالماً، ولا خطأ يضيع حق مظلوم، والجزاء مجسد لنفس العمل: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}، فالعدالة الإلهية مطلقة منزهة عن كل جور.
العموم الاستغراقي القاطع في تنكير {نَفْسٌ} و{شَيْئًا}: يفيد نفي أقل القليل من الظلم عن أي كائن كان، براً كان أو فاجراً، إنسياً أو جنياً.
الالتفات الرائع من الغيبة إلى الخطاب: في قوله {وَلَا تُجْزَوْنَ}؛ لمواجهة الحاضرين مباشرة ومخاطبتهم بالمسؤولية الفردية عن أعمالهم، مما يلقي في القلوب هيبة بالغة.
التطابق البليغ بين الجزاء والعمل في {إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}: كأن العمل نفسه ينقلب في الآخرة ثواباً أو عقاباً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
بث السكينة والطمأنينة في قلوب المظلومين والمستضعفين؛ فكل مظلمة سلبت في الدنيا ستُرد لأصحابها كاملة غير منقوصة في ذلك اليوم العادل.
تحفيز النفس على استكثار الصالحات وترك المظالم؛ لأن العبد يزرع اليوم ما سيحصده غداً حبة حبة وعملاً عملاً.