بيان الغاية العظمى من إنزال القرآن وإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وهي تخويف وتحذير أصحاب القلوب الحية المستعدة لقبول الحق، وإقامة الحجة القاطعة بإلزام كلمة العذاب وموجب الهلاك على الجاحدين الكافرين الذين ماتت قلوبهم واستكبروا عن الإيمان.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 633)جامع البيانالطبري٢٠/٦٣٣: «يقول تعالى ذكره: أنزلنا هذا القرآن ذكراً وعلماً بيناً، لينذر به محمد صلى الله عليه وسلم من كان حي القلب، بصير العقل، يعقل ما يقال له ويفهم عن الله أمره ونهيه، ويحق القول؛ أي وتجب كلمة العذاب التي قال الله لإبليس: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} على الكافرين بالله، لإقامتنا الحجة عليهم بهذا القرآن والإنذار».
وقرأ الجمهور {لِّيُنذِرَ} بياء الغيبة؛ أي لينذر القرآن أو النبي، وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر {لِتُنذِرَ} بتاء الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقال قتادة ومجاهد والضحاك: «{مَن كَانَ حَيًّا}؛ أي حي القلب مستنير البصيرة مؤمناً، والكافر ميت القلب كما قال تعالى: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا}».
وقال ابن كثير: «أي لينذر هذا القرآن المبين كل من هو حي على وجه الأرض أو حي القلب مستنير الفكر، ويحق القول وهو كلمة العذاب على الكافرين؛ لأنهم قامت عليهم الحجة وانقطعت معاذيرهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لِّيُنذِرَ}: اللام لام التعليل، «ينذر» فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على النبي صلى الله عليه وسلم أو على القرآن، والمصدر المؤول متعلق بـ «ذكر وقرآن مبين» أو بفعل أنزلناه مقدراً.
{مَن}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ «ينذر».
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود على «من».
{حَيًّا}: خبر «كان» منصوب بالفتحة الظاهرة، والمراد بالحياة هنا حياة القلب والبصيرة والروح، وجملة «كان حياً» صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{وَيَحِقَّ}: الواو عاطفة، «يحق» فعل مضارع منصوب بالفتحة الظاهرة معطوف على «ينذر». ومعنى يحق: يثبت ويجب ويتحقق.
{عَلَى الْكَافِرِينَ}: جار ومجرور متعلق بيحق، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التذييل يوضح وظيفة القرآن المزدوجة؛ الإنقاذ والهداية للأحياء القلوب {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا}، وقطع العذر وإلزام العقوبة بالمحاكمة العادلة على من كفر وأعرض {وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ}.
المقابلة البديعة بين الحي والكافر؛ فسمى المؤمن حياً، وقابله بالكافر، مما يدل على أن الكافر في حكم الميت الذي لا روح فيه ولا حياة حقيقية له.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم عدم الفائدة من إرسال الرسل لمن سبق في علم الله أنه سيموت كافراً: يسأل المعترض: إذا كان الله يعلم كفر هؤلاء، فلماذا أرسل إليهم الرسل وأنذرهم؟
رد الشبهة بالمحاكمة القضائية لإقامة الحجة التامة وقطع المعاذير: إرسال الرسل وإنزال القرآن له مقصدان أساسيان قررهما النص: الأول انتفاع المستعدين للهداية أحياء القلوب، والثاني قطع دابر الاحتجاج وإسقاط أي عذر قد يعتذر به الجاحد يوم القيامة: {لِّئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}؛ فمجيء النذير يوجب حتمية القضاء والعدل {وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ}، فلا يقول أحد: ما جاءنا من بشير ولا نذير.
المقابلة البلاغية بين {حَيًّا} و{الْكَافِرِينَ}: طباق معنوي خفي بديع؛ حيث جعل قسيم الحي هو الكافر، للدلالة على أن الكفر موت حقيقي للبصيرة والإنسانية، وأن الإيمان هو ينبوع الحياة الحقة.
التعبير بالماضي في صلة الموصول {مَن كَانَ حَيًّا}: للإشارة إلى أصالة الفطرة السليمة وحياتها السابقة التي استجابت لنور الوحي فور سماعه.
لفظ {وَيَحِقَّ الْقَوْلُ}: إيجاز بديع يصور كلمة العذاب كأنها حكم قضائي بات مبرم سقطت أمامه كل طعون المكذبين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إدراك المفهوم الحقيقي للحياة في ميزان القرآن؛ فالحياة الحقيقية ليست مجرد نبض القلب وتنفس الرئتين وتناول الطعام كالدواب والأنعام، بل هي حياة الروح بالإيمان واليقين ومعرفة الله.
استشعار عظيم نعمة القرآن؛ فهو روح الأرواح وحياة القلوب: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا}.