الامتنان بنعمة خلق الأنعام وتمليكها لبني آدم وتسخيرها لمنافعهم؛ حيث يلفت الله عقول المشركين المنكرين لربوبيته إلى برهان حسي يومي يشاهدونه بأعينهم؛ وهو خلق الإبل والبقر والغنم بتدبيره وقدرته الخاصة بلا شريك ولا معين، وجعل الإنسان مالكاً ومسيراً لهذه الخلائق العظيمة يتصرف فيها تصرف المالك القاهر.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 634)جامع البيانالطبري٢٠/٦٣٤: «يقول تعالى ذكره: أو لم ير هؤلاء المشركون المكذبون بآياتنا، الجاحدون قدرتنا على البعث، أنا خلقنا لأجلهم مما عملت أيدينا؛ أي مما تولينا خلقه وتدبيره بقدرتنا وسلطاننا من غير شريك ولا ظهير، أنعاماً وهي الإبل والبقر والغنم، فهم لها مالكون؛ أي ضابطون قاهرون متصرفون فيها بما يشاؤون، سخرناها لهم وملّكناهم إياها رحمة بهم».
ونقل ابن جرير عن قتادة ومجاهد: «{مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا}؛ أي مما خلقنا بقدرتنا من غير واسطة، {فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} أي مطيقون ضابطون لها، ولو شاء لجعلها متوحشة تنفر منهم فلا يطيقونها».
وقال ابن كثير: «يذكر تعالى ما أنعم به على بني آدم من تسخير الأنعام وتذليلها، وخلقها بأمره ومشيئته التامة، وجعلهم مالكين لها يتصرفون فيها كيف شاؤوا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَوَلَمْ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التقريري، والواو عاطفة على مقدر، و«لم» حرف نفي وجزم وقلب.
{يَرَوْا}: فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل. والرؤية هنا قلبية علمية تتعدى لمفعولين، أو بصرية تتعدى لواحد والمصدر المؤول ساد مسد المفعولين.
{أَنَّا}: «أنّ» حرف توكيد ونصب، و«نا» اسمها في محل نصب.
{خَلَقْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل، والجملة خبر «أن»، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي «يروا».
{لَهُم}: جار ومجرور متعلق بخلقنا.
{مِمَّا}: «من» حرف جر بياني أو لابتداء الغاية، و«ما» اسم موصول في محل جر، والجار والمجرور متعلق بخلقنا أو بمحذوف حال من أنعاماً.
{عَمِلَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث.
{أَيْدِينَا}: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، و«نا» مضاف إليه، والجملة صلة الموصول والعائد محذوف؛ أي عملته أيدينا. وإضافة العمل إلى الأيدي تشريفاً وتأكيداً للاختصاص بالخلق المباشر للرب سبحانه وتعالى.
{أَنْعَامًا}: مفعول به لـ «خلقنا» منصوب بالفتحة الظاهرة.
{فَهُمْ}: الفاء عاطفة تفيد السببية، «هم» ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
{مَالِكُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، ومعناه: متصرفون فيها، قاهرون لها ومستولون عليها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن بين وظيفة القرآن وإنذاره للأحياء وإحقاق القول على الكافرين في الآيات السابقة، عاد السياق إلى إقامة الحجة التوحيدية الباهرة بالأدلة المشهودة في بيئة المخاطبين، وألصق ما يكون بحياة العرب وأهل البوادي والمدن هي الأنعام التي يعتمد عليها معاشهم واقتصادهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم قدرة الإنسان الذاتية على تدجين الحيوانات الضخمة بذكائه المحض: يظن المغتر بالعقل البشري أن سيطرة الإنسان على الجمل الضخم أو الثور الهائج هي نتاج ذكائه وحيلته فقط.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية والواقعية لمنّة التذليل والتمليك: لو كانت المسألة بالقوة البدنية أو الحجم، لداس الجمل أو الفيل أو الثور الإنسان بقدمه وسحقه في طرفة عين، ولو كانت بالذكاء المجرد لما استطاع طفل صغير أن يقود قطاراً من الإبل الموقرة؛ فالذي طبع في هذه الأنعام غريزة الخضوع للإنسان وذللها له هو الله الخالق المربي، ولولا هذا التدبير الإلهي لما ملك الإنسان منها شيئاً: {فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ}.
إضافة الأيدي إلى ضمير العظمة {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا}: مجاز مرسل أو كناية عن كمال التولي والقدرة الإلهية المباشرة في الإيجاد والصنع المتقن دون واسطة ولا شريك، مع إثبات صفة اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله بلا تمثيل ولا تكييف عند أهل السنة.
التنكير في {أَنْعَامًا}: للتعظيم والتنويع؛ فتشمل الإبل والبقر والضأن والمعز بكل أشكالها ومنافعها.
التعبير باسم الفاعل {مَالِكُونَ}: للدلالة على ثبوت الملك واستقراره وتمكن الإنسان من السيطرة عليها واستثمارها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة الأنعام والرفق بالحيوان؛ فالإنسان مالك لها بتمليك الله وتسخيره، والواجب عليه إطعامها وسقياها وعدم تحميلها ما لا تطيق.
التواضع لله المنعم؛ فكلما رأى العبد دابة مسخرة تذكر فضل ربه الذي جعلها لينة منقادة له وهو الضعيف المحتاج.