افتتاح الملحمة الحجاجية العظمى في ختام السورة لتقرير عقيدة البعث والنشور وكسر كبرياء الإنسان الجاحد؛ حيث يتعجب القرآن وينكر بشدة على ابن آدم كيف ينسى أصله المهين ونشأته الأولى من قطرة ماء مهين ضعيفة لا حراك لها، ثم إذا كبر وقويت أعضاؤه واشتد ساعده، تحول فجأة إلى مجادل شديد الخصومة والعداوة، يبارز ربه وخالقه بالحجج الباطلة وينكر قدرته على إعادة إحيائه!
ثبت في أسباب النزول عند الطبري والحاكم وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أن أُبيّ بن خلف (أو العاص بن وائل) جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عظم حائل رميم، ففتّه بيده ونفخه في الريح نحو النبي صلى الله عليه وسلم وقال مستهزئاً: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعد ما أرمّ وتفتت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، يميتك الله، ثم يبعثك، ثم يدخلك جهنم»، فأنزل الله تعالى هذه الآيات العظام من قوله: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ...} إلى آخر السورة.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 642)جامع البيانالطبري٢٠/٦٤٢: «يقول تعالى ذكره: أو لم ير هذا الإنسان المنكر للبعث بعد الموت، الجاحد قدرتنا على إحيائه بعد بلائه، أنا خلقناه من قطرة ماء مهين، ثم نقلناه طوراً بعد طور حتى صار بشراً سوياً، فإذا هو شديد الخصومة لربه، مبين بخصومته وعداوته وجحوده للحق، يخاصم في أمر البعث وينكر قدرة خالقه!».
وقال ابن كثير: «يتعجب تعالى من هذا الإنسان الضعيف الذي خلقه من نطفة مذرة لا قيمة لها، فإذا هو بعد ذلك يخاصم ربه ويجادله في قدرته على إعادة خلقه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَرَ}: فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الألف)، والفتحة دليل عليها. والرؤية هنا علمية قلبية أو بصرية متعدية.
{الْإِنسَانُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والمراد به الجنس أو الكافر المنكر للبعث كأبي بن خلف.
{أَنَّا}: «أنّ» حرف توكيد ونصب، و«نا» اسمها في محل نصب.
{خَلَقْنَاهُ}: فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل، والهاء مفعول به، والجملة خبر «أن»، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي «ير».
{مِن نُّطْفَةٍ}: جار ومجرور متعلق بخلقناه. والنطفة: الماء القليل، والمراد المني الخارج من الأصلاب والترائب.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة للتعقيب الفوري المباغت، «إذا» حرف فجاءة مبني على السكون.
{هُوَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{خَصِيمٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو فعيل للمبالغة؛ أي مبالغ في الخصومة والجدال بالباطل.
{مُّبِينٌ}: نعت لخصيم مرفوع بالضمة الظاهرة؛ أي ظاهر الخصومة مجاهر بها، أو مظهر لحججه وشبهاته. وجملة الفجاءة معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الانتقال يمثل ذروة السورة وختامها الإعجازي؛ فبعد أن رد على شبهات الكفار في الألوهية والنبوة، تصدى هنا لأم الشبهات التي تدور عليها السورة وهي إنكار البعث والنشور، وبدأ بنسف أساس الكبر الإنساني بتذكيره بنقطة البداية المذلة قبل أن يقيم عليه براهين الإعادة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اغترار الإنسان بفصاحته وقوته ونسيان بدايته الضعيفة: يرى الإنسان نفسه اليوم قادراً على الجدال وبناء الحضارات فيتكبر عن الانقياد للحق ويستبعد قدرة الله عليه.
رد الشبهة بالمحاكمة الفسيولوجية والتاريخية لأصل التكوين: وضع القرآن الإنسان أمام مرآة الحقيقة؛ إن هذا الكائن الذي يتكلم اليوم بفصاحة ويجادل ربه كان بالأمس القريب مجرد نطفة ماء مهين مجهري لا يرى بالعين المجردة ولا يملك سمعاً ولا بصراً ولا حركة، فالذي شق منه السمع والبصر ونفخ فيه الروح وعلمه البيان كيف يُعجزه أن يعيده بعد موته؟ إن خصومته لخالقه غاية الجهل والسفاهة ونكران الجميل.
المقابلة الصاعقة بين {نُّطْفَةٍ} و{خَصِيمٌ مُّبِينٌ}: طباق ومفارقة درامية هائلة؛ بين غاية الضعف والمهانة في النطفة، وغاية الصلف والجرأة في الخصيم المبين.
الفاء التعقيبية مع «إذا» الفجائية في {فَإِذَا هُوَ}: تصور سرعة تحول هذا المخلوق من الضعف والاستكانة إلى الطغيان والجدال كأنه نسي كل مراحله في لحظة واحدة.
صيغة المبالغة في {خَصِيمٌ}: تدل على شدة اللجاجة واستفراغ الوسع في محاربة الحق بالباطل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترويض كبرياء النفس بالتفكر في أصل الخلقة؛ فمن عرف أنه خلق من نطفة قذرة ويموت فيصير جيفة مذرة لا يليق به أن يتكبر على الله أو على عباده.
توظيف نعمة البيان واللسان في الدفاع عن الحق والتوحيد لا في المخاصمة بالباطل ونشر الشبهات.