بيان لمصدر هذا القرآن والمنهاج النبوي؛ بأنه تنزيل من الرب الجليل المتصف بالعزة التامة والرحمة السابغة.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 526)جامع البيانالطبري٢٠/٥٢٦: «يقول تعالى ذكره: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد تنزيل العزيز في نقمته وسلطانه وانتقامه ممن كفر به وكذب رسله، الرحيم بعباده المؤمنين الذين اتبعوا أمره وهديه فنجاهم برحمته».
وقال ابن كثير: «أي هذا الصراط وهذا المنهج والدين الذي جئت به تنزيل من رب العزة والجلال، الرحيم بعباده المؤمنين».
واختلف القراء في إعراب {تَنزِيلَ}: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر بنصب اللام {تَنزِيلَ} على المصدرية، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف برفع اللام «تَنزِيلُ» على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَنزِيلَ}: قرئ بوجهين متواترين:
قراءة النصب {تَنزِيلَ}: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره «نزّله تنزيلَ العزيز»، أو منصوب بنزع الخافض، أو حال من القرآن في الآية الثانية. والتنزيل مصدر نزل بالتشديد الدال على التدريج والتفريق بحسب الوقائع والأحداث.
قراءة الرفع «تَنزِيلُ»: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: «هو تنزيلُ العزيز الرحيم» أو «هذا تنزيلُ»، أو مبتدأ وخبره محذوف.
{الْعَزِيزِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة؛ الغالب القاهر المنيع الذي لا يرام جنابه.
{الرَّحِيمِ}: نعت لـ {الْعَزِيزِ} مجرور بالكسرة الظاهرة؛ ذو الرحمة الواسعة الواصلة لعباده.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التذييل متصل بالقرآن الحكيم وبالصراط المستقيم؛ فبعد أن أقسم بالقرآن الحكيم ووصف الصراط بالاستقامة، بيّن الجهة العلية التي نزل منها هذا الكتاب وأفاضت هذا الصراط وهو «العزيز الرحيم».
الجمع البديع بين صفتي {الْعَزِيزِ} و{الرَّحِيمِ}؛ لأن التنزيل والنذارة تقتضي العزة لردع المكذبين والظالمين، وتقتضي الرحمة لهداية القلوب وتيسير الشريعة وإنقاذ الناس من الضلال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة بشرية القرآن والتأليف الذاتي: يزعم الطاعنون أن القرآن نتاج عبقرية محمد ﷺ وثقافته وتجربته النفسية.
رد الشبهة بالبرهان الأسلوبي والحكمي: نصت الآية بقطع على أنه {تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}؛ فبصمة العزة الإلهية القاهرة وبصمة الرحمة الربانية المحيطة ظاهرة في كل حرف وسورة من القرآن؛ حيث جمع بين المهابة والتشريع القاهر، وبين اللطف والرحمة الشافية للصدور، وهذا التوازن المعجز بين الجلال والجمال محال أن يصدر عن عقل بشري تدفعه الأهواء والمخاوف المادية.
التعبير بصيغة التفعيل في {تَنزِيلَ} دون الإنزال المجرد: للدلالة على نزوله منجماً ومفرقاً على مدار ثلاث وعشرين سنة بحسب الحوادث والمسائل، مما يزيد في إحكامه وتثبيت فؤاد النبي ﷺ وتدرج الأمة في الأحكام.
الاقتران البلاغي بين صفتي العزة والرحمة: توازن كامل بين الترهيب والترغيب؛ فعزة تمنع الكتاب من التحريف والتبديل وتقهر المعاندين، ورحمة تنزل بالشفاء والهداية والنور لأهل الإيمان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار مهابة كلام الله: أن يوقن القارئ للقرآن أنه يتلقى كلام العزيز الجبار، فيخشع قلبه وتخضع جوارحه، ويستشعر في الوقت ذاته رحمة الرحيم فيستبشر بمغفرته وفضله.
منهاج الداعية بين الحزم والرحمة: على الداعية أن يستلهم من صفتي العزيز الرحيم أسلوب خطابه؛ فيكون حازماً قوياً في الدفاع عن ثوابت الدين (العزة)، رحيماً شفيقاً رفيقاً بالمدعوين (الرحمة).