قَسَم إلهي عظيم بالقرآن المجيد المحكم في نظمه وأحكامه وهداياته، على إثبات رسالة النبي ﷺ.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 523)جامع البيانالطبري٢٠/٥٢٣: «يقول تعالى ذكره: أقسم بالقرآن المحكم الذي أحكمه الله وفصله، فلا خلل فيه ولا تناقض، ولا يدخله باطل من بين يديه ولا من خلفه».
وقال قتادة في قوله: {وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ}: «أحكم الله ما فيه من الحلال والحرام، والحدود والأحكام، والدلائل والفرائض».
وقال ابن كثير: «القرآن الحكيم: أي المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد».
وقال ابن عباس: «الحكيم: أي ذو الحكمة البالغة التي تهدي للتي هي أقوم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالْقُرْآنِ}: الواو واو القسم حرف جر وقسم، «القرآن» اسم مجرور بواو القسم وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره «أقسم». والقرآن: مصدر على وزن فعلان من قرأ يقرأ قراءة وقرآناً، سُمي به الكتاب المقروء والمتلو والمجموع في الصدور والمصاحف.
{الْحَكِيمِ}: نعت لـ «القرآن» مجرور بالكسرة الظاهرة، فعيل بمعنى مُحكَم (اسم مفعول)؛ أي أُحكمت آياته وبناؤه، أو بمعنى حاكم (اسم فاعل)؛ لأنه يحكم بين الناس بالحق فيما اختلفوا فيه، أو متصف بالحكمة البالغة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا القَسَم بالقرآن الحكيم جاء توطئة وتوكيداً للمقسم عليه في الآية التالية: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}؛ فكان المقسَم به (القرآن) هو بذاته معجزة المقسَم عليه وبرهان صدقه، فالمعنى: أقسم بهذا الكتاب الحكيم المعجز الذي جئتهم به على أنك رسول حقاً من عند الله.
التناسب البين بين افتتاح السورة بـ «يس» ثم عطف القسم بالقرآن؛ لبيان أن هذه الحروف هي مبنى هذا الكتاب الحكيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قَسَم الله بمخلوقاته ومصنوعاته: يتساءل البعض: كيف يقسم الله بالقرآن أو بغيره من المخلوقات مع نهي العباد عن الحلف بغير الله؟
رد الشبهة والتحقيق العقدي السلفي: يقرر علماء السنة وأئمة التفسير:
أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فالقسم به قسم بصفة من صفات الله الذاتية وهي الكلام، والقسم بصفات الله جائز ومشروع إجماعاً.
لله تعالى أن يقسم بما يشاء من خلقه وصفاته لإظهار شرف المقسَم به وعظمته ودلالته على التوحيد، أما المخلوق فلا يجوز له الحلف إلا بالله وأسمائه وصفاته تعظيماً لله وحده ونفياً للشرك: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت».
إسناد صفة «الحكيم» إلى القرآن: مجاز عقلي أو استعارة مكنية؛ حيث شُبه القرآن بإنسان حكيم ناضج كامل العقل والحكمة، ينطق بالصواب ويهدي إلى الرشاد في كل مسألة.
صيغة «فعيل» في {الْحَكِيمِ}: تفيد ثبوت الحكمة ودوامها واستقرارها؛ فلا تبطل أحكامه بمرور الزمان، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استمداد الحكمة من كتاب الله: من أراد الحكمة في أقواله وأفعاله وقراراته فليعكف على القرآن الحكيم تلاوة وتدبراً وعملاً؛ فإنه يورث العبد بصيرة يفرق بها بين الحق والباطل.
الاعتزاز بمرجعية القرآن: اليقين بأن أحكام القرآن هي أعدل الأحكام وأصلحها لإصلاح الفرد والمجتمع، ورفض الاحتكام إلى القوانين الجاهلية الوضعية التي تناقض حكمة التنزيل.