التذكير بسائر المنافع العظيمة والمشارب المستخرجة من الأنعام والإنكار على جحود النعمة؛ فللعباد في هذه الأنعام منافع جمة لا تحصى في أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها وأسمدتها، ومشارب سائغة لذيذة من ألبانها الرائقة المصفاة، ثم يختم بالاستفهام التقريعي: أفلا يشكرون المنعم الحقيقي بإفراده بالعبادة وتوحيده!
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 637)جامع البيانالطبري٢٠/٦٣٧: «يقول تعالى ذكره: ولهم في هذه الأنعام منافع من أصوافها وأوبارها وأشعارها يتخذون منها أثاثاً وكسوة ومتاعاً، ومشارب؛ وهي الألبان التي يشربونها سائغة لذيذة، أفلا يشكرون الله الذي أنعم عليهم بهذه النعم كلها فيفردوه بالألوهية ولا يشركوا به سواه؟».
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلق بحال محذوفة من منافع أو بالخبر.
{مَنَافِعُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة ولم ينون لأنه على صيغة منتهى الجموع (مفاعل).
{وَمَشَارِبُ}: الواو عاطفة، «مشارب» معطوف على منافع مرفوع بالضمة الظاهرة وهو ممنوع من الصرف أيضاً، ومشارب جمع مشرب؛ إما اسم مكان أو مصدر ميمي بمعنى الشرب، أو اسم لما يشرب كالألبان.
{يَشْكُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة معطوفة على مقدر تقديره: أيشهدون هذه النعم العظام فلا يشكرون المنعم؟
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الجمع بين المنافع والمشارب يكمل استقصاء واستيعاب دورة الانتفاع بالأنعام؛ ففي الآية السابقة ذكر (الركوب والأكل)، وهنا ذكر الكسوة والمتاع (المنافع) والشراب والغذاء السائل (المشارب)، فلم يبق جزء من الأنعام إلا وفيه منفعة للبشر، فناسب ذلك قمة التقريع بالاستفهام {أَفَلَا يَشْكُرُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة انصراف الشكر للأسباب والأعراف دون مسبب الأسباب: يكتفي بعض الناس بشكر الرعاة أو التجار أو يعتبرون النعمة استحقاقاً ذاتياً بمالهم دون توجيه الشكر للخالق سبحانه.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية في أصل الإيجاد والإنعام: الأموال والتجارة لا تخلق قطرة لبن واحدة من بين فرث ودم، ولا تنبت وبر جمل أو صوف نعجة؛ فالصانع الحقيقي الموجد لهذه النعم الرائقة هو الله وحده، والشكر الحقيقي يجب أن يتوجه أولاً وبالذات إلى واهب النعم ومسخرها، فصرف الشكر للأصنام أو للأسباب المادية مع نسيان الخالق كفران شنيع للعقل والوجدان.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
الجمع والتنكير في {مَنَافِعُ} و{مَشَارِبُ}: لإفادة الكثرة البالغة وتنوع الفوائد الطبية والصناعية والغذائية عبر العصور.
تخصيص {مَشَارِبُ} بالذكر بعد عموم {مَنَافِعُ}: لعظيم خطر اللبن وأهميته في حياة الإنسان وصحته؛ فهو طعام وشراب في آن واحد.
الاستفهام الإنكاري في الفاصلة {أَفَلَا يَشْكُرُونَ}: استثارة للوجدان الفطري السليم الذي يقبح كفران الإحسان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ملازمة شكر الله تعالى عند كل طعام وشراب ولباس؛ عملاً بالهدي النبوي: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها».
تسخير نعم الأنعام في طاعة الله والإنفاق على المحتاجين والصدقة بألبانها وأصوافها ولحومها.