الموقف التاريخي الفاصل والذروة الإيمانية لمؤمن آل يس؛ حيث جهر بإيمانه وتوحيده الصادح أمام قومه المشركين وأمام الرسل الكرام، متبرئاً من الشرك ومستشهداً بهم على إيمانه، غير مبالٍ ببطشهم وتهديدهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 557)جامع البيانالطبري٢٠/٥٥٧: «يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل هذا المؤمن: إني يا قومي ويا معشر أهل هذه القرية آمنت بربكم وخالقكم الذي فطركم فاعبدوه، فاسمعوا قولي وأطيعوا نصيحتي واشهدوا لي بالإيمان. وقيل: خاطب الرسل فقال: يا معشر الرسل، إني آمنت بربكم الذي أرسلكم، فاسمعوا قولي واشهدوا لي عند ربي بالإيمان؛ والأول أظهر في سياق دعوة قومه ومواجهتهم بالتوحيد».
وقال ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة ومجاهد: «لما قال ذلك لقومه وثبوا عليه وثبة رجل واحد، فوطئوه بأقدامهم ورجموه بالحجارة، وقيل خنقوه حتى خرجت روحه شهيداً في سبيل الله، ولم يكن بين قوله ذلك وبين دخوله الجنة إلا أن قتلوه فلقي ربه».
وقرأ الجمهور بحذف الياء وصلاً ووقفاً مع كسر النون {فَاسْمَعُونِ}، وقرأ يعقوب بإثبات الياء في الحالين «فاسمعوني».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنِّي}: حرف توكيد ونصب والياء اسمها.
{آمَنتُ}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، والتاء ضمير متصل فاعل، والجملة في محل رفع خبر «إن».
{بِرَبِّكُمْ}: متعلق بـ {آمَنتُ}، و«رب» مضاف والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
{فَاسْمَعُونِ}: الفاء فصيحة عاطفة، «اسمعوا» فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية وياء المتكلم محذوفة رسماً وتخفيفاً والكسرة دالة عليها (أو ثابتة في قراءة يعقوب). والسماع هنا متضمن معنى الإجابة، والقبول، والشهادة؛ يقال: سمع الله لمن حمده أي أجابه وقبله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم هو خاتمة مرافعة مؤمن آل يس الدعوية؛ فبعد أن أقام الحجج العقلية، وفند عبادة الأصنام، ووصف الشرك بالضلال المبين، ختم خطابه بإعلان عقيدته بوضوح تام وتحدٍ بطولي: {إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ}.
الإضافة في {بِرَبِّكُمْ}: حجة إلزامية لقومه؛ فكأنه يقول: آمنت بربكم الذي خلقكم وتملكون الاعتراف بربوبيته، ولم يقل: «بربي»، ليلزمهم بما ألزم به نفسه.
الانتقال الفوري والمباشر في الآية التالية إلى مشهد النعيم الأبدي {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ}؛ إيجاز إعجازي يطوي لحظة الاستشهاد الدامي وينقل المشهد مباشرة إلى لحظة الفوز الخالد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التهور وإلقاء النفس في التهلكة بالجهر بالإيمان أمام الأعداء المتوحشين: قد يقول ضعيف العزيمة: ألم يكن الأولى بهذا الرجل أن يكتم إيمانه تقية وحفاظاً على حياته؟
رد الشبهة وفقه مراتب التضحية في الإسلام:
يقرر أئمة الإسلام والشهداء أن كتمان الإيمان رخصة عند العجز والاضطرار، ولكن «الجهر بالحق والثبات عليه والتضحية بالنفس لنصرة رسل الله ودينه هي العزيمة الكبرى وأشرف مقامات الصديقية والشهادة»؛ فلو كتم الجميع الحق لاندثرت معالم الدين وخمدت جذوة النصرة، وقد قال النبي ﷺ: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» (أخرجه الحاكم وصححه). فموقف مؤمن آل يس كان ميزاناً للبطولة الإيمانية التي خلدها الله في القرآن إلى قيام الساعة.
الجملة الاسمية المؤكدة بـ {إِنِّي} والفعل الماضي {آمَنتُ}: لإفادة الحسم النهائي؛ فإيمانه ليس فكرة تجريبية مترددة، بل حقيقة ناجزة ثابتة لا تراجع عنها مهما كانت التضحيات.
صيغة الأمر في {فَاسْمَعُونِ}: تفيد الشجاعة المطلقة وإسقاط هيبة الطغاة؛ فلم يعد يبالي بتهديدهم بالرجم، بل يطالبهم بالسماع والشهادة عليه.
حذف ياء المتكلم في {فَاسْمَعُونِ}: يعكس خفة الروح وتجردها وسرعة عروجها إلى باريها إثر طعنات الغدر والشهادة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة الكلمة الصادحة بالحق في وجه الباطل: قد لا يملك العبد المؤمن جيوشاً ولا أموالاً، ولكنه يملك كلمة الحق الصادقة التي ينصر بها الدين؛ فرب كلمة صادقة في موقف عصيب ترجح بموازين الدنيا وما فيها.
التجرد الكامل والشوق إلى الله: الاستعداد للتضحية بالنفس في سبيل الله هو أعلى مراتب الصدق مع الله، والمؤمن الحق يبيع نفسه الرخيصة الفانية ليشتري بها رضاء ربه وجنات النعيم.