التذكير بسائر مراكب البر والبحر الحالية والمستقبلية التي خلقها الله وسخرها لخدمة بني آدم؛ حيث وسع الله دائرة الامتنان، فبين أنه لم يقصر وسائل النقل على الفلك المشحون في البحر، بل خلق لهم مراكب برية مماثلة في حمل الأثقال ونقل النفوس كالأنعام (الإبل وهي سفن البر، والخيل والبغال والحمير)، وأودع في الكون أسرار صناعة المراكب الحديثة كالقطارات والسيارات والطائرات التي تحمل البشر وأمتعتهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 584)جامع البيانالطبري٢٠/٥٨٤: «اختلف أهل التأويل في معنى {مِن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ}؛ فقال علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: هي الإبل، خلقها الله لهم تشبه السفن في حمل الأثقال وقطع المفاوز، والإبل سفائن البر. وقال آخرون: بل هي سائر المراكب من السفن الصغار أو غيرها، وكلا المعنيين متقارب، وخلق الله للمراكب يجمع هذا كله».
وقال ابن كثير: «قال ابن عباس: هي الإبل سفن البر يحملون عليها، ومثله قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ}، وقال آخرون: أراد به سائر ما يركبون من السفن المصنوعة على مثال سفينة نوح».
وقال السعدي: «يدخل في هذا كل ما ركبه الناس في البر والبحر والجو مما خلقه الله وسخره لهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَخَلَقْنَا}: الواو عاطفة، «خلقنا» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» ضمير فاعل.
{لَهُم}: جار ومجرور متعلق بخلقنا.
{مِّن مِّثْلِهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من «ما»، والهاء تعود على الفلك.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ «خلقنا».
{يَرْكَبُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره: يركبونه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
عطف قوله {وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} على حمل الذرية في الفلك هو من باب عطف العام على الخاص، والتوسيع للنعمة؛ لئلا يظن ظان أن التسخير خاص بركوب البحر فقط، بل سخر الله لهم نظائر ذلك ومثيله في سائر الأسفار والمسالك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم تعارض نسبة خلق المراكب إلى الله مع كونها مصنوعة بأيدي البشر: كيف يقول القرآن {وَخَلَقْنَا لَهُم} في المراكب وسائر ما يركبون والبشر هم الذين يصنعون السفن والسيارات؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية والشرعية لنسبة الخلق والتسخير: الخلق لله حقيقة؛ فالإبل والأنعام خلقها الله خلقاً ذاتياً حياً، وأما المراكب الصناعية فإن موادها الأولية (الحديد، الخشب، المطاط، الوقود) مخلوقة لله، والعقل البشري المصمم واليد الصانعة مخلوقة لله، والقدرة والقوانين المسيرة لها من صنع الله، فالخالق للسبب والمسبب هو الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}.
الإبهام والتعميم في اسم الموصول {مَا يَرْكَبُونَ}: يحمل إعجازاً بيانياً واستشرافياً مستقبلياً باهراً؛ فلم يقل «وخلقنا لهم الإبل» فقط، بل عبر بـ {مَا يَرْكَبُونَ} ليتناول كل مركب عرفه الإنسان قديماً كالأنعام والسفن، وكل ما يركبه حديثاً ومستقبلاً كالقطارات والسيارات والطائرات والغواصات والمركبات الفضائية.
التشبيه في {مِّن مِّثْلِهِ}: يجمع المراكب كلها في جامع واحد وهو: حمل الأثقال والأبدان وتيسير السفر بفضل الله وتدبيره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار ذكر الله ودعاء الركوب عند امتطاء أي وسيلة نقل؛ كما علمنا القرآن: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}.
شكر نعمة المواصلات التي طوت المسافات ويسرت صلة الأرحام ونشر الدعوة وطلب العلم والتجارة الحلال.