التوبيخ والتقريع الإلهي الصارم للمجرمين في المحشر على نقض الميثاق الفطري والرسالي؛ حيث يذكرهم الله سبحانه بما تقدم إليهم به من العهد والوصية على ألسنة الرسل وفي كتبه المنزلة، محذراً إياهم من طاعة إبليس اللعين الذي أعلن عداوته لأبيهم آدم وذريته منذ فجر الخليقة.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 614)جامع البيانالطبري٢٠/٦١٤: «يقول تعالى ذكره: ألم أوصكم يا بني آدم، وآمركم في الدنيا على ألسنة رسلي، وأتقدم إليكم بألا تطيعوا الشيطان في معصيتي والشرك بي؛ إنه لكم عدو قد أبان عداوته لأبيكم آدم بإخراجه من الجنة، ولكم بدعائكم إلى ما يوردكم النار والهلاك؟ والعهد هنا: الوصية والأمر».
وقال قتادة: «هو عهد الله إليهم في كتبه ورسله؛ أن يطيعوا الله ولا يتبعوا خطوات الشيطان».
وقال ابن كثير: «هذا تقريع من الله تعالى للكفرة من بني آدم، الذين أطاعوا الشيطان وهو عدوهم المبين، وعصوا الرحمن وهو خالقهم ورازقهم، وقد عهد إليهم على ألسنة الرسل بالتحذير منه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَلَمْ}: الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، «لم» حرف نفي وجزم وقلب.
{يَا بَنِي}: «يا» أداة نداء، «بني» منادى مضاف منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف.
{آدَمَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
{أَن}: حرف مصدري وتفسيري.
{لَّا}: ناهية جازمة (فيكون الفعل مجزوماً بحذف النون)، أو نافية غير عاملة و«أن» ناصبة (فيكون منصوباً بأن بحذف النون).
{تَعْبُدُوا}: فعل مضارع مجزوم أو منصوب وعلامته حذف النون، والواو فاعل، وعبادة الشيطان: طاعته واتباع وساوسه فيما يزين من الكفر والمعاصي.
{الشَّيْطَانَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{إِنَّهُ}: «إنّ» حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها.
{لَكُمْ}: جار ومجرور متعلق بعدو مبين.
{عَدُوٌّ}: خبر «إن» مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مُّبِينٌ}: نعت لعدو مرفوع بالضمة الظاهرة؛ أي ظاهر العداوة بينها بمواقفه. وجملة {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} تعليلية لموجب النهي عن عبادته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التوبيخ يتنزل منزلة المحاكمة العادلة قبل إنفاذ الحكم فيهم؛ فلما قال لهم {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ}، بيّن لهم سبب استحقاقهم لهذا الخزي، وهو مخالفتهم للعهد المغلظ، وموالاتهم لعدوهم اللدود الذي أوردهم هذا المورد الهالك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إنكار بعض الكفار أنهم عبدوا الشيطان حقيقة بحجة أنهم لم يسجدوا له تمثالاً: قد يقول المشرك: نحن ما عبدنا إبليس ولا بنينا له هيكلاً!
رد الشبهة بالمحاكمة الشرعية لمفهوم العبادة الواسع والمطلق: العبادة في ميزان الشرع والعقل ليست مجرد السجود الحسي والركوع؛ بل أصل العبادة هو الطاعة المطلقة والتسليم والتحاكم، فمن أطاع الشيطان في استحلال الحرام وتحريم الحلال والكفر بالخالق فقد عبده حقيقة، كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} بأنهم أطاعوهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، فموالاة الشيطان طاعة هي عين العبادة له.
الاستفهام التقريري {أَلَمْ أَعْهَدْ}: لحصار الخصم وإلزامه بالحجة؛ فلا يملكون إلا الإقرار بالعجز والتقصير والاعتراف بالجريمة.
النداء بـ {يَا بَنِي آدَمَ}: استحضار للأصل التاريخي للعداوة؛ فإبليس هو العدو الذي أخرج أباكم الأول آدم من الجنة وأقسم على إغوائكم، فكيف تغفل الذرية عن ثأرها وتطيع عدو أبيها!
وصف العدو بـ {مُّبِينٌ}: لبيان أن عداوته ليست خفية مستترة، بل هي ظاهرة ناصعة لا يماري فيها عاقل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقظة الدائمة من حبائل الشيطان ومكائده في تزيين الباطل؛ فكل معصية يرتكبها العبد هي نوع استجابة لعدوه المتربص به.
تذكر العهد الإلهي الفطري والميثاق والوفاء به؛ فإن نجاة الإنسان في الاعتصام بحبل الله والتبرؤ من حزب الشيطان.