بيان لكمال رحمة الله بأهل القرية وتتابع حججه وبراهينه عليهم؛ حيث أرسل إليهم رسولين فلما كذبوهما قواهما وأيدهما برسول ثالث، فأعلنوا جميعاً بلاغهم وتوحيد رسالتهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 542)جامع البيانالطبري٢٠/٥٤٢: «يقول تعالى ذكره: حين بعثنا إلى أهل هذه القرية رسولين يدعوانهم إلى الله، فكذبوا الرسولين ولم يصدقوهما، فقوينا الرسولين وأيدناهما برسول ثالث، فصاروا ثلاثة رسل، فقال الرسل الثلاثة لأهل القرية: إنا من عند الله أُرسلنا إليكم لندعوكم إلى عبادته وحده لا شريك له».
وروى ابن أبي حاتم وقتادة وابن إسحاق: «أن الرسل الثلاثة قيل أسماؤهم: شمعون، ويوحنا، وبولس، وقيل: صادق، وصدوق، وشلوم»، والمقصود أن الله قوى الحجة وأثبتها ببرهان متظافر.
وقرأ الجمهور بفتح العين وتشديد الزاي {فَعَزَّزْنَا}؛ أي قوينا وشددنا، وقرأ أبو بكر عن عاصم في رواية بتخفيف الزاي «فَعَزَزْنَا» من عَزّ يعَز إذا غلب وقهر؛ أي فغلبنا وقهرنا بثالث.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِذْ}: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب بدل ثانٍ أو بدل من «إذ» الأولى.
{أَرْسَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون وفاعله «نا» العظمة.
{إِلَيْهِمُ}: متعلق بـ {أَرْسَلْنَا}.
{اثْنَيْنِ}: مفعول به منصوب بالياء لأنه ملحق بالمثنى.
{فَكَذَّبُوهُمَا}: الفاء عاطفة للتعقيب، «كذبوا» فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل وهما مفعول به.
{فَعَزَّزْنَا}: الفاء عاطفة، «عززنا» فعل ماض مبني على السكون وفاعله «نا» العظمة، والتعزيز في لسان العرب: التقوية والتأييد والمنعة، مأخوذ من العز وهو القوة والغلبة.
{بِثَالِثٍ}: الجار والمجرور متعلق بـ {عَزَّزْنَا}، والباء للسببية أو الاستعانة.
{فَقَالُوا}: الفاء عاطفة، «قالوا» فعل ماض والواو فاعل (يعود على الرسل الثلاثة).
{إِنَّا}: حرف توكيد ونصب و«نا» اسمها.
{إِلَيْكُم}: متعلق بـ «مرسلون».
{مُّرْسَلُونَ}: خبر «إن» مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة {إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ} مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يصور كرم الله ورحمته في إقامة الحجة؛ فلم يكتف بإرسال رسول واحد، بل أرسل اثنين ليتساند ويتآزرا، فلما قوبلا بالتكذيب لم يعاجل القوم بالعقوبة فوراً، بل عزز الحجة وقواها برسول ثالث؛ ليكون ذلك أبلغ في قطع الشبهة وإلزام الخصم.
صياغة خطاب الرسل في المرة الأولى: {إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ} بمؤكد واحد وهو {إِنَّ}؛ لأن الإنكار كان في بدايته، فناسبه خطاب التوكيد الابتدائي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التكذيب بالرغم من كثرة الرسل: قد يتعجب العاقل: كيف يكذب أهل قرية ثلاثة رسل متظاهرين بالحجة والمعجزات دفعة واحدة؟!
رد الشبهة والتحليل النفسي لمرض العناد: تبين الآية أن العناد والاستكبار إذا تمكن من النفوس لا تجدي معه كثرة الرسل ولا تضافر البراهين؛ لأن المشكلة ليست في عدد الرسل ولا في وضوح الدليل، بل في عمى القلوب وفساد الإرادة التي تابى الخضوع للحق الذي يتعارض مع شهواتها ومصالحها الرخيصة.
التنكير في {بِثَالِثٍ}: للتعظيم والتفخيم؛ أي برجل عظيم ذي بأس وحجة وبصيرة قوى الله به جانب الرسولين الأولين.
الجمع بين التثنية والتثليث: {اثْنَيْنِ} ثم {بِثَالِثٍ} ثم بصيغة الجمع {فَقَالُوا}؛ يعكس مشهد التدرج والتآزر في الدعوة إلى الله.
التأكيد بـ {إِنَّا}: إعلاناً للثقة المطلقة برسالتهم ووضوح رايتهم أمام الملأ.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مشروعية العمل الدعوي الجماعي والتآزر: في إرسال رسولين ثم التعزيز بثالث أصل عظيم في أهمية تضافر جهود الدعاة وتكامل قدراتهم في مواجهة الباطل؛ فإن يد الله مع الجماعة، والتعاون في البلاغ يشد الأزر ويبدد وحشة الطريق.
الصبر وعدم اليأس من التكذيب الأول: إذا قوبل الداعية بالصدود فعليه أن يثبت ويبحث عن وسائل مساندة وأساليب مقوية للدعوة، وألا يستعجل اليأس من استجابة الناس.