استفهام تقريري توبيخي يلفت أنظار مشركي قريش وأهل الغفلة إلى مصارع القرون الماضية الكثيرة التي استأصلها الله بكفرها، وأنهم مضوا إلى غير رجعة للدنيا، بل ينتظرهم الحساب والجمع يوم القيامة.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 568)جامع البيانالطبري٢٠/٥٦٨: «يقول تعالى ذكره: ألم ينظر هؤلاء المشركون المستهزئون بك يا محمد، ويعلموا بعيون قلوبهم كم أهلكنا من قبلهم من الأمم السالفة والقرون الماضية كعاد وثمود وقوم لوط لما كذبوا رسلنا، وأن أولئك الهالكين لا يرجعون إليهم في الدنيا، ولا يعودون إلى أهليهم وديارهم بعد هلاكهم، بل صاروا إلى دار الجزاء والحساب؟!».
وقال قتادة في قوله: {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ}: «أي ماتوا وهلكوا فلم يرجعوا إلى الدنيا ولا إلى معايشهم فيها، بل انقطعت آمالهم وبقي وزرهم».
وقال ابن كثير: «ألم يتعظوا بمن كان قبلهم ممن كذب الرسل كيف دمرهم الله وأبادهم، وأنهم قد مضوا إلى الدار الآخرة فلا رجعة لهم إلى هذه الحياة الدنيا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَلَمْ}: الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، «لم» حرف نفي وجزم وقلب.
{يَرَوْا}: فعل مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل، والرؤية هنا قلبية علمية تفيد اليقين والاعتبار.
{كَمْ}: خبرية تفيد التكثير مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لـ {أَهْلَكْنَا}، وعلّقت الفعل «يروا» عن العمل اللفظي في الجملة.
{أَهْلَكْنَا}: فعل ماض مبني على السكون وفاعله «نا» العظمة، والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي «يروا».
{قَبْلَهُم}: ظرف زمان متعلق بـ {أَهْلَكْنَا} والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{مِّنَ الْقُرُونِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف بيانية لـ «كم». والقرون: جمع قرن؛ وهو الأمة والجيل من الناس المتعاصرون في زمن واحد.
{أَنَّهُمْ}: «أنّ» حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها والميم للجمع.
{إِلَيْهِمْ}: متعلق بـ {لَا يَرْجِعُونَ}.
{لَا}: نافية.
{يَرْجِعُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر «أن»، والمصدر المؤول من «أن» وما بعدها في محل نصب بدل اشتمال من «كم» أو بدل من مفعول أهلكنا، أو في محل جر بتقدير لام التعليل؛ أي أهلكناهم حكماً بأنهم لا يرجعون، أو منصوب بنزع الخافض.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يرتبط بالتحسر والتنديم في الآية السابقة؛ فلما بين شناعة استهزائهم بالرسل، قرع عقولهم بالاستقراء التاريخي: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ}.
إبراز حقيقة «انعدام الرجعة إلى الدنيا»: {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ}؛ لكسر وهم الخلود والغرور الدنيوي؛ فالموت والأخذ الإلهي خط باتجاه واحد لا تدارك بعده ولا عودة للإصلاح؛ مما يوجب المسارعة إلى التوبة قبل فوات الأوان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة «تناسخ الأرواح» والعودة إلى الأرض في أجساد أخرى: تدعي بعض الفلسفات الوثنية الشرقية (كالهندوسية والبوذية) أن الموتى يعودون إلى الحياة الدنيا مرة بعد مرة في دورات تناسخية لتطهير نفوسهم.
رد الشبهة بالمحكم القرآني القطعي: نسفت الآية عقيدة التناسخ نسفاً برهانياً حاسماً: {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ}؛ فالإنسان إذا مات وهلك انقطعت صلته بالدنيا تماماً ولا عودة له إليها بأي جسد أو صورة، كما قال تعالى: {كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، فالدنيا دار امتحان واحدة، والآخرة دار جزاء أبدي.
التكثير بـ {كَمْ} الخبرية: لإظهار الكثرة الهائلة للأمم والحضارات التي طواها الهلاك والاستئصال؛ فليست قصة أصحاب القرية حالة نادرة، بل هو مصير تكرر لمئات القرون من الجبابرة.
التعبير بالفعل القلبي {يَرَوْا}: لتوجيه النظر من مجرد المعاينة البصرية لأطلال الغابرين، إلى الرؤية القلبية العميقة التي تثمر العبرة والخشية.
التوكيد بـ {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ}: تنبيه قاطع على نفاد الفرصة وحتمية الفناء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قصر الأمل وتذكر الموت: علم العبد بأن كل من مات من الآباء والأجداد لم يرجع ولن يرجع، يورثه قصراً في الأمل وزهداً في الركون إلى الدنيا؛ فالدنيا محطة مسافر يوشك أن يرحل عنها ولن يعود إليها أبداً.
الاعتبار بسير التاريخ: دعوة لكل مفكر ومصلح لقراءة التاريخ البشري قراءة سننية؛ فمن كرر أخطاء القرون الهالكة في الكفر والظلم والفساد، فلينتظر المصير ذاته الذي حل بهم.