جريان الشمس العظيم في مسارها المقدر المحكم دلالة على خضوع أعظم الأجرام السماوية لمشيئة الخالق وقهره؛ فالشمس سابحة جارية لا تفتر ولا تنحرف قيد أنملة، إلى مستقرها الزماني والمكاني الذي حده الله لها، وذلك التنظيم المعجز هو تقدير الرب العزيز الذي قهر كل شيء، العليم بأسرار الملكوت.
ثبت في «صحيح البخاري» (حديث 3199) و«صحيح مسلم» (حديث 159) عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}».
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 574)جامع البيانالطبري٢٠/٥٧٤: «الشمس جارية لمستقر لها لا تتعداه، إما إلى مستقرها عند انتهاء الدنيا وقيام الساعة، وإما إلى مستقرها اليومي في سجودها تحت العرش، وإما لمستقر منازلها في الصيف والشتاء، وكل ذلك بتقدير العزيز في ملكه العليم بخلقه».
وقال قتادة: «لمستقر لها: لوقتها ولأجل لا تعدوه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالشَّمْسُ}: الواو عاطفة، «الشمس» مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة. وقرأ ابن مسعود وعكرمة بنصبها بفعل محذوف يفسره ما بعده على الاشتغال.
{تَجْرِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره هي، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
{لِمُسْتَقَرٍّ}: اللام حرف جر بمعنى «إلى» أو للعلة، و«مستقر» اسم زمان أو اسم مكان أو مصدر ميمي مجرور بالكسرة متعلق بتجري.
{لَّهَا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ «مستقر».
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف للخطاب.
{تَقْدِيرُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.
{الْعَزِيزِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{الْعَلِيمِ}: نعت للعزيز مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج القرآن من ذكر الليل المظلم إلى ذكر سراج النهار الأعظم وهي الشمس؛ لإبراز كمال التقابل والتكامل في النظام الكوني.
ختام الآية باسمين جليلين من أسماء الله الحسنى: {الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} في غاية الإحكام والتناسب؛ لأن تسيير هذا الجرم الهائل وضبط فلكه الهائل يحتاج إلى عزة تامة وقهر وسلطان، وحساب منازله الدقيقة ومساراته يحتاج إلى علم محيط أزلي لا يعتريه غلط ولا خلل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم ثبات الشمس في مركز المجموعة الشمسية وتناقض ذلك مع قوله {تَجْرِي}: ادعى بعض الملاحدة قديماً وحديثاً أن العلم قال بثبات الشمس ودوران الأرض حولها، فكيف يقول القرآن {تَجْرِي}؟
رد الشبهة بالإعجاز الفلكي القطعي لحركة الشمس: العلم الفلكي الحديث أثبت قطعاً أن الشمس ليست ثابتة على الإطلاق، بل هي تجري وتسبح مع مجموعتها الشمسية كاملة بسرعة هائلة تقدر بحوالي مائتين وعشرين كيلومتراً في الثانية حول مركز مجرة درب التبانة، في مدار محكم ومستقر مقدر لها يسمى فلكياً بمستقر الشمس (مستقر الشمس المجرّي)، فجاءت كلمة {تَجْرِي} لترسم أعظم حقيقة كونية سابقة لكل العلوم البشرية بقرون متطاولة.
استعمال الفعل المضارع {تَجْرِي}: للدلالة على التجدد والاستمرار الدائب دون كلل ولا فتور لملايين السنين.
التنكير في {لِمُسْتَقَرٍّ}: لتفخيم هذا المستقر وعظم شأنه ودقته التي يعجز البشر عن إدراك مداها.
الإشارة بـ {ذَٰلِكَ} الدالة على البعد: لتعظيم هذا التدبير والتقدير ورفعة شأنه في لوح القدر وميزان الملكوت.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير العقل من عبادة الكواكب والمظاهر الكونية؛ فالشمس برغم عظمتها وإمدادها للأرض بالدفء والضياء، ما هي إلا عبد مأمور مسخر ساجد تحت عرش الرحمن يجري لمستقر أمره به سيده وخالقه.
تعزيز اليقين في قدرة الله على ضبط شؤون الحياة؛ فالذي يدبر حركة الشمس والكواكب بغير خطأ لحظة واحدة، كفيل بتدبير أمور عبده وحفظه ورزقه.