كشف الحقيقة الكبرى لطلاقة القدرة الإلهية وسر الأمر التكويني النافذ؛ حيث يبين سبحانه أن خلق الكون والبعث وإحياء الموتى وإفناء الخلائق لا يحتاج منه إلى كلفة ولا علاج ولا معاناة ولا تعب ولا مدة زمنية تدريجية، بل أمره التكويني النافذ إذا أراد إيجاد أي شيء كبيراً كان أو صغيراً أن يقول له بكلمة واحدة: «كن» فيكون ذلك الشيء ويوجد في الحال على أكمل وجه وفق ما أراده في علمه الأزلي.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 651)جامع البيانالطبري٢٠/٦٥١: «يقول تعالى ذكره: ما أمره وشأنه إذا أراد إيجاد شيء من خلقه أو بعث الموتى إلا أن يقول له: كن فيكون ذلك الشيء موجوداً حياً كما شاء في الحال من غير كلفة ولا مشقة ولا تأخر. يقال: إنما أمره كاف ونون؛ أي كلمته النافذة ومشيئته التي لا مرد لها».
وقرأ الجمهور {فَيَكُونُ} برفع النون، استئنافاً على تقدير: فهو يكون، أو عطفاً على موضع يقول، وقرأ ابن عامر والكسائي في رواية بنصب النون {فَيَكُونَ} جواباً للأمر أو عطفاً على «أن يقول».
وقال قتادة: «ليس في كلام الله نصب ولا لغوب؛ إنما يقول للشيء كن فيكون».
وقال ابن كثير: «يخبر تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا أراد شيئاً فإنما يأمر به مرة واحدة لا يحتاج إلى تكرار ولا معالجة، كما قال: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّمَا}: كافة ومكفوفة تفيد الحصر والقصر القطعي.
{إِذَا}: ظرف زمان تضمن معنى الشرط خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{أَرَادَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل جر بالإضافة لـ «إذا».
{شَيْئًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو نكرة في سياق الشرط تفيد عموم كل ما يتعلق به القصد من الذرة إلى المجرة.
{أَن}: حرف مصدري ونصب.
{يَقُولَ}: فعل مضارع منصوب بالفتحة، والفاعل مستتر تقديره هو، والمصدر المؤول من «أن يقول» في محل رفع خبر المبتدأ «أمره»؛ أي: إنما شأنه قوله له كن.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلق بيقول، والضمير للشيء المراد إيجاده قبل بروزه استحضاراً له في علمه.
{كُن}: فعل أمر تام مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت؛ أي اخرج إلى الوجود وحدث، والجملة مقول القول في محل نصب.
{فَيَكُونُ}: الفاء عاطفة تفيد السببية والتعقيب الفوري، «يكون» فعل مضارع تام مرفوع بالضمة الظاهرة والفاعل مستتر تقديره هو؛ أي فهو يحدث ويوجد بلا تراخٍ، أو هو منصوب على إضمار أن في جواب الأمر في قراءة ابن عامر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذه الآية تمثل القاعدة الكلية الجليلة وقانون القوانين في القدرة الإلهية؛ فبعد أن أقام البراهين التفصيلية الثلاثة (النشأة الأولى، الشجر الأخضر، السماوات والأرض)، ارتفع بالسياق إلى الأفق التجريدي المطلق: أن هذا كله هين يسير ولا يحتاج إلى تدرج ولا أسباب، بل سر الوجود كله كلمة واحدة تخرس كل شبهة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم مخاطبة العدم في قوله {أَن يَقُولَ لَهُ كُن}: يسأل المعترض الفلسفي: كيف يقول لشيء معدوم لم يوجد بعد «كن»، والمعدوم ليس شيئاً ولا يسمع الخطاب؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية والبيانية لسر الوجود في علم الله: المعدوم ليس عدماً محضاً مجهولاً، بل هو متصور معلوم في علم الله الأزلي ومقدور عليه في لوح قضائه، فالخطاب موجه إلى الشيء المتقرر وجوده في المشيئة الإلهية، والآية تصوير بديع وتجسيد بلاغي لسرعة نفاذ المشيئة الإلهية وامتثال المكونات لها؛ كأن الله يقول للمعدوم اخرج فيخرج فوراً بلا أدنى تأخر، فهو تمثيل لسرعة الإيجاد وكمال الطاعة الكونية.
أسلوب القصر والحصر بـ {إِنَّمَا}: لحصر شأن الخلق والتكوين في القول التكويني المجرد دون حاجة لأي أداة أو حركة جسدية أو زمان أو معين.
التنكير في {شَيْئًا}: ليعم كل ما يدخل تحت الإمكان العقلي من بعث الموتى إلى تسيير الكون.
الإيجاز الخارق في صيغة {كُن فَيَكُونُ}: لفظان مكونان من حرفين (الكاف والنون) يختزلان سر خلق الأكوان وتصريف الوجود كله من الأزل إلى الأبد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
امتلاء القلب بتعظيم الله وخشيته؛ فالذي أمره بين الكاف والنون هو الرب الجليل الذي يجب أن تذل له الرقاب وتخضع له القلوب.
الثقة المطلقة باستجابة الدعاء وقدرة الله على تغيير واقع الإنسان وأمته؛ فإذا أراد الله نصر المظلوم أو شفاء المريض أو إهلاك الطواغيت فإنما يقول له كن فيكون، فلا يستعظم العبد مطلباً أمام قدرة ربه.