استعجال الكفار لقيام الساعة وعذاب يوم القيامة على سبيل التكذيب والسخرية والاستهزاء؛ حيث يكرر المشركون سؤالهم التعجيزي للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه: متى يقع هذا اليوم الذي تتوعدوننا به من البعث والحساب والنار إن كنتم صادقين في دعواكم؟
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 593)جامع البيانالطبري٢٠/٥٩٣: «يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث بعد الموت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به: متى هذا الوعد الذي تعدوننا أن الله باعتنا فيه ومحيينا وقاضٍ بيننا إن كنتم صادقين فيما تقولون؟ وهذا القول منهم استهزاء وتكذيب بالقيامة».
وقال قتادة ومجاهد: «استعجلوا العذاب والقيامة تكذيباً بها؛ ظناً منهم أنها لا تقع أبداً».
وقال ابن كثير: «يخبر تعالى عن استبعاد الكفرة لقيام الساعة وسؤالهم عن وقتها تكذيباً واستهزاءً وجحوداً، كما قال تعالى: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَتَىٰ}: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، و«ذا» اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وجملة الاستفهام مقول القول في محل نصب.
{الْوَعْدُ}: بدل من اسم الإشارة مرفوع بالضمة الظاهرة أو عطف بيان.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص ناسخ مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، والميم للجمع.
{صَادِقِينَ}: خبر «كان» منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله تقديره: فبينوا لنا وقته أو فأتوا به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج السياق في إبراز مراحل مروقهم؛ فبدأ بإعراضهم عن التدبر في الآيات، ثم بخلهم وسفسطتهم في منع الصدقات، ثم ارتقوا في الوقاحة إلى التشكيك في أصل العقيدة وهو يوم القيامة والاستهزاء بوعيده.
تكرر هذا التعبير في مواضع متعددة من القرآن؛ ليدل على أنه شبهة متوارثة يرددها المكذبون في كل جيل على وجه المكابرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة ربط صدق الخبر بتحديد زمان وقوعه الدقيق: يزعم المكذب أن المخبر إذا لم يستطع تحديد الساعة والدقيقة لوقوع الحدث الموعود فهو كاذب في أصل الخبر!
رد الشبهة بالمحاكمة المنطقية العقلية: الجهل بزمان وقوع الشيء لا يستلزم أبداً نفي وقوعه أو كذب أصله؛ فالطبيب يخبر المريض بأن أجله سينتهي أو أن المرض الفلاني سيفضي للموت حتماً دون أن يعلم الساعة المحددة، والمهندس يخبر بانهيار الجسر المتصدع ولا يعلم متى تقع اللحظة الدقيقة لسقوطه، فتعيين وقت الساعة خصه الله بعلمه لحكمة الابتلاء والترقب، وعدم علم النبي بوقتها لا يقدح في صدق نبوته ولا في حتمية وقوع الساعة.