التثبيت والتسلية الإلهية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم والدعاة من بعده أمام طعون المشركين وافتراءاتهم؛ حيث ينهى الله نبيه الكريم عن الحزن والأسى لما يسمعه من أذى قريش وتكذيبهم وطعنهم في رسالته، واصفين إياه بالشاعر أو الساحر أو الكاهن، مؤكداً له أن الله مطلع إحاطة تامة على كل ما يخفونه في صدورهم من المكر، وما يجاهرون به بألسنتهم من الباطل، وسيجازيهم على ذلك أوفى الجزاء.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 641)جامع البيانالطبري٢٠/٦٤١: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فلا يحزنك يا محمد قول هؤلاء المشركين وتكذيبهم لك، ودعاؤهم إياك ساحراً أو شاعراً، وافتراؤهم على ربهم؛ إنا نعلم ما يسرون في نفوسهم من الشرك والمكر بك، وما يعلنون بألسنتهم وجوارحهم من التكذيب والأذى، ونحن مجازوهم على ذلك كله بما يستحقونه من العقاب والنكال، فلا يهمنك أمرهم».
وقال قتادة: «عزى الله نبيه وسلاه، وأعلمه أنه لا يخفى عليه من أمرهم ومكرهم شيء».
وقال ابن كثير: «أي لا تحزن لتكذيبهم وافترائهم، فإنا نعلم سرهم وعلانيتهم وسنجزيهم على ذلك بأتم الجزاء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَلَا}: الفاء استئنافية أو فصيحة، «لا» ناهية جازمة.
{يَحْزُنكَ}: فعل مضارع مجزوم بالسكون، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به مقدم. وحزن متعدٍ هنا، ويجوز في لغة العرب حزن وأحزن. وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي {يُحْزِنْكَ} من أحزن الرباعي.
{قَوْلُهُمْ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، و«هم» مضاف إليه. والوقف تام أو كافٍ على {قَوْلُهُمْ}؛ لئلا يوهم الوصل أن ما بعده من مقولهم الشركي!
{إِنَّا}: «إنّ» حرف توكيد ونصب، و«نا» المدغمة اسمها في محل نصب، والجملة استئنافية تعليلية للنهي عن الحزن لا محل لها من الإعراب.
{نَعْلَمُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر وجوباً تقديره نحن، والجملة في محل رفع خبر «إن».
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ «نعلم».
{وَمَا}: الواو عاطفة، «ما» اسم موصول معطوف على ما قبله.
{يُعْلِنُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا البلسم الرباني يتنزل على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد استعراض تلك الأكاذيب والشركيات والوقاحات التي صدرت عن المشركين؛ فلكرم خلقه ورقة قلبه وحرصه على هدايتهم كان يحزن لإعراضهم وطعنهم، فجاء هذا النهي ليقطع الحزن ويبعث في النفس السكينة والثقة بنصر الله وقضائه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم وقوع الخطأ في الوقف وإيهام المعنى الباطل: قد يصل القارئ غير المنتبه قوله {فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} بقوله {إِنَّا نَعْلَمُ...} فيتوهم السامع أن المشركين قالوا: «إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون».
رد الشبهة بالمحاكمة النحوية وأصول الوقف والابتداء: نبه علماء القراءات وعلماء الوقف والابتداء قاطبة (كالأنباري وابن الجزري والداني) على لزوم الوقف على {قَوْلُهُمْ}؛ لأن جملة {إِنَّا نَعْلَمُ...} استئناف مقرر من كلام الله تعالى لتعليل النهي وتسلية النبي، وليست من مقول الكفار قطعاً، فالوقف هنا واجب معنوي لصيانة المعنى القرآني الجليل من الوهم والخلط.
النهي عن الحزن {فَلَا يَحْزُنكَ}: نهي في الظاهر للقول، وفي الحقيقة هو نهي للنبي عن التأثر بالحزن؛ لإشعار قلبه بالأمان ورفع الهم عنه.
التوكيد بـ «إنّ» ونون العظمة {إِنَّا نَعْلَمُ}: لإحلال الطمأنينة الكاملة واليقين بأن كيد الأعداء محاط به من قِبل العليم القدير.
التقابل بين {يُسِرُّونَ} و{يُعْلِنُونَ}: طباق بديع يستغرق كل حركات الإنسان وسكناته ونواياه؛ فما دام الله يعلم السر وأخفى، فلا قيمة لمكرهم ولا وزن لأقوالهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحصين نفوس الدعاة والمصلحين من التأثر بحملات التشويه والأكاذيب الإعلامية؛ فالداعية يعلم أن الله مطلع على كيد الماكرين وسيحق الحق ويبطل الباطل.
مراقبة السر والعلن؛ فالمؤمن يعلم أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فيصلح سريرته كما يصلح علانيته.