استكمال للتمثيل البصري المعجز في تصوير الحصار التام الذي ضرب على بصائر الكافرين المعاندين؛ سد من الأمام وسد من الخلف وغشاوة تامة تعمي الأبصار، أو هو الإخبار عن الحماية الإلهية المعجزة للنبي ﷺ حين حاصره المشركون في دار الندوة فخرج من بينهم ووضع التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات فلم يروه.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 533)جامع البيانالطبري٢٠/٥٣٣: «يقول تعالى ذكره: وجعلنا من بين أيدي هؤلاء المشركين سداً يمنعهم من رؤية الحق، ومن خلفهم سداً يمنعهم من الرجوع عنه، فأغشيناهم وغطينا على أبصارهم فلا يبصرون هدى ولا ينفذون إلى رشد؛ ضرب الله لهم مثلاً في ضلالتهم وانسداد سبل الهدى عليهم».
وأخرج ابن إسحاق والطبري بسند حسن عن عروة بن الزبير ومحمد بن كعب القرظي: في قصة هجرة النبي ﷺ حين اجتمع فتيان قريش على بابه ليفتكوا به إذا خرج، فخرج رسول الله ﷺ عليهم ومعه كف من تراب وهو يقرأ: {يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ... وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}، فنثر التراب على رؤوسهم ومضى لحاجته، فلم يروه حتى أصبحوا والتراب على رؤوسهم خائبين.
وقرأ الجمهور بفتح السين {سَدًّا}، وقرأ حمزة والكسائي وحفص في روايات بضم السين «سُدًّا»، وهما لغتان بمعنى الحاجز والمانع الشامخ.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَجَعَلْنَا}: الواو عاطفة، «جعلنا» فعل ماض وفاعله «نا» العظمة.
{مِن بَيْنِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لـ «جعلنا» مقدم، و«بين» مضاف.
{أَيْدِيهِمْ}: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة للثقل، والهاء مضاف إليه، والميم للجمع، وتعبير «بين أيديهم» كناية عن الجهة الأمامية والمستقبل.
{سَدًّا}: مفعول به أول مؤخر منصوب بالفتحة الظاهرة. والسد: الجبل أو الحاجز والحائط المرتفع العظيم الذي يمنع العبور والرؤية.
{فَأَغْشَيْنَاهُمْ}: الفاء عاطفة للتعقيب والترتيب، «أغشينا» فعل ماض وفاعله «نا» والهاء مفعول به والميم للجمع، والإغشاء: التغطية والستر بالظلمة؛ مأخوذ من الغشاء وهو الغطاء الساتر للعين.
{فَهُمْ}: الفاء سببية، «هم» ضمير منفصل مبتدأ.
{لَا}: نافية.
{يُبْصِرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر المبتدأ «هم»؛ أي لا يبصرون الحق ولا يهتدون سبيلاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يرسم لوحة الحصار التام الذي لا ثغرة فيه:
في الآية السابقة شل حركة الرأس والعنق وقيد الإرادة: {أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ}.
وهنا أغلق المنافذ المكانية من الأمام: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا}.
وأغلق المنافذ المكانية من الخلف: {وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا}.
ثم أطفأ نور الحاسة البصرية من الأصل: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}.
فاجتمع عليهم انعدام الحركة، وانسداد الأفق، والعمى التام، مما يمثل أعلى درجات الحيلولة وانقطاع الرجاء في هدايتهم بعد ثبوت القول عليهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إعجاز النجاة في الهجرة ومحاولات التشكيك الحداثية: يزعم بعض المشككين أن قصة خروج النبي ﷺ وذر التراب على رؤوس محاصريه أسطورة لا يقبلها العقل التجريبي.
رد الشبهة بالمحاكمة التاريخية والإيمانية: الآية الكريمة تقرر طلاقة القدرة الإلهية، والواقعة التاريخية متواترة في كتب السير والآثار الصحيحة، وقد أقر بها كفار قريش أنفسهم حين وجدوا التراب على رؤوسهم وسألوهم عن النبي فعلموا أنه خرج من بين أظهرهم، ومن يوقن بأن الله فاطر السماوات والأرض لا يستبعد أن يحجب الله أبصار نفر من المتربصين بمعجزة باهرة لنصرة خاتم المرسلين وحفظ رسالته الخاتمة.
المطابقة والمقابلة المكانية: بين {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} و{مِنْ خَلْفِهِمْ}؛ لاستيعاب جميع جهات المسير؛ فلا يقدرون على التقدم في الهدى، ولا الرجوع إلى الفطرة.
التنكير في {سَدًّا} في الموضعين: لإفادة الارتفاع والمنعة والصلابة، كأنه جبل أصم شاهق لا مرتقى فيه.
الترتيب الدرامي الحاسم: قطع الاتجاهات أولاً بالسدود، ثم إطفاء البصر ثانياً بالإغشاء، مما يفيد الشلل الحواسي والإدراكي التام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بحفظ الله ورعايته لأوليائه: أن يعلم الداعية والمؤمن أن الله قادر على حمايته من كيد الأعداء ومكرهم ولو تكالبوا عليه وتجمعوا حوله، فإن رعاية الله تجعل بينه وبين أعدائه سداً منيعاً يغشى أبصارهم عن النيل منه.
الاستعاذة من عمى البصيرة: الدعاء الدائم بأن ينير الله البصائر وألا يجعل على القلوب غشاوة ولا سدوداً تحول بين العبد وقبول الحق والموعظة.