تفصيل مجالس النعيم والأنس والاستقرار لأهل الجنة؛ حيث يجتمع المؤمنون مع أزواجهم من الحور العين ومن صوالح نساء الدنيا، في ظلال وارفة ممتدة لا شمس فيها ولا زمهرير، مستقرين على الأرائك الفاخرة المنجدة المزينة، متكئين جلسة الملوك وأهل العز والراحة والأمان.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 608)جامع البيانالطبري٢٠/٦٠٨: «يقول تعالى ذكره: هؤلاء الأصحاب للجنة وأزواجهم من الحور العين وحلائلهم في الدنيا من المؤمنات، في ظلال الأشجار والقصور التي تقيهم، على الأرائك متكئون؛ والأرائك: جمع أريكة، وهي السرر في الحجال، لا تسمى أريكة حتى تكون سريرة مكللة بالستور والحلل».
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد قالا: «الأريكة: السرير تحت الحجلة (الخيمة المزينة بالستور والدر)، لا يكون أريكة حتى يكون سريراً في بيت مكلل».
وقال قتادة: «الأرائك: الحجال على السرر».
وقال ابن كثير: «أي هم وقرناؤهم من الحور والنساء المؤمنات في ظلال الأشجار والقصور، مستريحين متكئين على السرر المزينة بأبهى الحلل والفرش».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{وَأَزْوَاجُهُمْ}: الواو عاطفة، «أزواجهم» معطوف على الضمير «هم»، وسوغ العطف الفصل بالضمير المنفصل، و«هم» مضاف إليه.
{فِي ظِلَالٍ}: جار ومجرور متعلق بمتكئون أو بمحذوف خبر أول للمبتدأ، وظلال جمع ظل أو جمع ظلة. وقرأ حمزة والكسائي وخلف {فِي ظُلَلٍ} بضم الظاء وفتح اللام جمع ظلة.
{عَلَى الْأَرَائِكِ}: جار ومجرور متعلق بمتكئون. والأرائك جمع أريكة وهي السرير المكلل في الحجلة.
{مُتَّكِئُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم. والاتكاء: الجلوس المتمكن المائل مع الاعتماد على وسادة، وهو جلسة أهل الراحة والتنعم والملوك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء هذا التفصيل بعد الإجمال في قوله {فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ}؛ فبين القرآن أين يكون هذا الشغل والنعيم؟ ومع من؟ وما هيئتهم؟ فبين أنهم في مجالس مؤنسة مع الأزواج، وفي مناخ بديع وارف الظلال، وفي هيئة ملكية تامة على الأرائك متكئون.
تقديم الظلال ثم الأرائك ثم الاتكاء يرسم تدرج المشهد الحسي من المحيط العام (الظلال الوارفة)، إلى الأثاث الخاص (الأرائك المرفوعة)، إلى الهيئة النفسية والجسدية (الاتكاء الدال على تمام الطمأنينة).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم المادية المحضة في نعيم الجنة وتنافي ذلك مع السمو الروحي: يزعم بعض الفلاسفة والمستشرقين أن وصف الجنة بالأزواج والأرائك والظلال نزوع مادي لا يليق بالخلود الروحي.
رد الشبهة بالمحاكمة الفطرية للكمال البشري المستوعب للجسد والروح: خلق الله الإنسان مركباً من روح وجسد، وكماله وسعادته التامة لا تتحقق إلا بإشباع الجانبين معاً في أرقى صورهما المبرأة من النقائص؛ فالجنة تجمع بين كمال اللذة الحسية (أرائك، أزواج، ظلال، فواكه طاهرة لا رجيع فيها ولا أذى) وكمال اللذة الروحية (السلام الإلهي، الرضوان، النظر إلى وجه الله)، وقصر النعيم على الروح فقط بتر للنصف المادي للإنسان وخلاف الفطرة الحكيمة التي فطر الله الناس عليها.
دلالة لفظ {مُتَّكِئُونَ}: الاتكاء لا يفعله الخائف أو المترقب أو المهموم، بل هو هيئة المستريح الآمن الذي استقر ملكه وزال عنه كل تهديد وخطر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الترغيب في بناء البيوت الصالحة وتثبيت الزوجات والذرية على طاعة الله؛ ليكون اللقاء الأبدي في تلك الظلال والأرائك: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ}.
الزهد في مظاهر الترف الزائل في الدنيا التي تقود إلى الطغيان؛ فالأرائك الحقيقية والراحة الدائمة هي ما أعده الله في جنات النعيم.