دلالة الآفاق الكونية الكبرى على البعث والنشور بعد استعراض مصارع الأمم المكذبة؛ حيث يلفت القرآن أنظار المنكرين إلى برهان حسي يشاهدونه عياناً في كل آن؛ وهي الأرض الهامدة المجذبة المقفرة يحييها الله بإنزال الغيث، وتخرج من صلبها الحبوب والأقوات، فالقادر على إحيائها قادر على إحياء الأجساد الرميمة.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 566)جامع البيانالطبري٢٠/٥٦٦: «يقول تعالى ذكره: وعلامة ودلالة واضحة لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث والنشور على قدرة الله على إحيائهم بعد مماتهم، وفنائهم بعد بلائهم: هذه الأرض الميتة الجدبة الهامدة التي لا نبات بها ولا خضرة، أحييناها بالغيث الذي ننزله عليها، وأخرجنا منها حباً تقتاتون به وتعيشون».
وذكر ابن كثير في «تفسيره»: «أي دلالة بينة على وجود الصانع وقدرته التامة على إحياء الموتى؛ الأرض إذا أجدبت فأنزل الله عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وأخرج منها الحبوب التي هي قوام معاش بني آدم ودوابهم».
ونقل القرطبي عن ابن عباس ومجاهد: «الحب هو جنس الحبوب كالقمح والشعير والذرة وسائر ما يدخره الناس، وفيه لطف الله وإحسانه بالعباد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَحْيَيْنَاهَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و«نا» ضمير متصل فاعل، و«الهاء» ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والجملة في محل نصب حال أو استئناف بياني مفسر للإحياء.
{وَأَخْرَجْنَا}: الواو عاطفة، «أخرجنا» فعل ماض وفاعله.
{مِنْهَا}: جار ومجرور متعلق بأخرجنا.
{حَبًّا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو اسم جنس جمعي.
{فَمِنْهُ}: الفاء عاطفة للتعقيب أو فصيحة، «منه» جار ومجرور متعلق بيأكلون وقُدّم لإفادة الاختصاص أو العناية بكونه أصل الغذاء.
{يَأْكُلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة معطوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية بعد تمام قصة أصحاب القرية وما تلاها من التحسر على العباد: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} والاحتجاج بإهلاك القرون الأولى وعدم رجوعهم، فلما بين الله جهلهم وانغلاق بصائرهم، انتقل إلى إقامة الدلائل العيانية الباهرة على التوحيد والقدرة والبعث؛ إذ إنكارهم البعث هو رأس ضلالهم.
التدرج من العام إلى الخاص في المنّة؛ ذكر أولاً إحياء الأرض، ثم إخراج الحب الذي هو مادة الغذاء الأساسية وحياة الأبدان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استبعاد إعادة الأجساد بعد صيرورتها تراباً: يزعم الدهريون والمشركون أن الجسم إذا تفتت واختلط بتراب الأرض استحال جمعه وإعادته حياً حساساً.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية لبرهان القياس الحيوي: البرهان الحاضر أمام كل إنسان هو الأرض؛ تراب جاف لا حياة فيه ولا نبض، تقع عليه قطرات الماء المتماثلة فيتحول التراب الصامت إلى خلايا حية وأشجار نامية وثمار متنوعة، فالذي أودع سر الحياة في حبيبات التراب بعد موتها أهون عليه عقلاً وعرفاً أن يعيد الحياة إلى تراب الإنسان، فالمبدأ والمنتهى بيد القدرة الإلهية النافذة.
التنكير للتعظيم: في قوله {وَآيَةٌ} للتفخيم؛ أي آية عظيمة باهرة كافية لإيقاظ العقول.
استعمال صيغة الماضي المقرون بنون العظمة: {أَحْيَيْنَاهَا}، {وَأَخْرَجْنَا} لتقرير تحقق الفعل ونسبته إلى كمال القدرة الربانية دون شريك.
تقديم المعمول: في {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} لبيان أن الحب هو عماد الأقوات والرزق الركين، ولفت نظر العبد إلى نعمة التدبير الإلهي في حبة الحنطة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحويل النظر الحسي المادي للظواهر الطبيعية إلى نظر إيماني استدلالي؛ فالمؤمن لا يرى في الخضار والزروع مجرد تفاعلات بيولوجية، بل يرى فيها آيات تدل على قيومية الله وقدرته.
تربية النفس على شكر المنعم عند تناول الطعام؛ إذ كل حبة طعام يتناولها العبد مرت برحلة إعجازية من إنزال الغيث وتفجير الأرض لتصل إلى فمه.