تصوير العجز المطلق والسرعة الخاطفة لهلاكهم بالصيحة؛ فإذا نزلت بهم صيحة الصعق أصابهم الشلل والموت فوراً، فلا يقدر أحدهم على أن يوصي بمال أو يقضي ديناً أو يودع قريباً، ولا يستطيع من كان منهم خارج بيته في سوقه أو عمله أن يعود إلى أهله وداره، بل يموت كل إنسان في مكانه الذي فاجأته فيه الصيحة.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 597)جامع البيانالطبري٢٠/٥٩٧: «يقول تعالى ذكره: فإذا أخذتهم تلك الصيحة لم يستطيعوا أن يوصوا بشيء في أموالهم ولا في غيرها لسرعة أخذ العذاب إياهم، ولا يقدر أحد منهم كان في سوقه أو خارج داره أن يرجع إلى أهله وعياله، بل يهلك مكانه».
وقال الضحاك وقتادة: «ماتوا في أسواقهم ومواضعهم؛ فمن كان عاطفاً على بيعه مات مكانه، ومن كان خارجاً لم يرجع إلى أهله، ولم يقدر أحد على وصية».
وقال ابن كثير: «أي لعظم الأمر وسرعته وبغتته لا يستطيع أحدهم أن يوصي بوصية في شيء من أمره، ولا يرجع إلى أهله بل يموت في موضعه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَلَا}: الفاء عاطفة تفيد السببية والتعقيب السريع، «لا» نافية لا عمل لها.
{يَسْتَطِيعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
{تَوْصِيَةً}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، والتوصية مصدر وصى يوصي.
{وَلَا}: الواو عاطفة، «لا» لتأكيد النفي.
{إِلَىٰ أَهْلِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بيرجعون، وقُدّم لإفادة الاهتمام والحصر.
{يَرْجِعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة معطوفة على «يستطيعون».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال الاتصال والترتب على قوله {تَأْخُذُهُمْ}؛ فلما كانت الصيحة مباغتة وخاطفة، ترتب عليها نفي القدرة على أبسط وأقل التصرفات البشرية في ساعات الأزمات وهو نطق الوصية أو الرجوع خطوة واحدة إلى الأهل والدار.
الجمع بين نفي التوصية ونفي الرجوع للأهل استقصى انقطاع العلاقات؛ فلا تصرف في المال بالوصية، ولا لقاء بالأحباب بالأبدان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم إمكانية تدارك الأمر والتوبة أو تسوية الحقوق عند بدء قيام الساعة: يظن المسوف أن لديه وقتاً لكتابة وصيته أو قضاء ديونه وطلب العفو من الناس إذا أحس ببوادر الموت أو الساعة.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية لسرعة نفخة الصعق: نصت الآية نصاً قاطعاً على نفي الاستطاعة {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً}، فالصيحة تفاجئ الأجهزة العصبية والحيوية وتشلها في جزء من الثانية، فلا مجال للسان أن ينطق بحرف ولا للجوارح أن تتحرك خطوة، فالتسويف خديعة النفس الكبرى.
تنكير {تَوْصِيَةً} في سياق النفي: يفيد العموم التام؛ أي لا يقدرون على أدنى وصية ولا حتى كلمة عابرة أو إشارة يد.
تقديم الجار والمجرور في {وَلَا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}: لتسليط الضوء على أشد ما تتعلق به نفس الإنسان في لحظات الخطر والهلاك وهم الأهل والعيال، ومع ذلك يحال بينهم وبينهم بحائل القدر المحتوم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المبادرة إلى كتابة الوصية وأداء الحقوق ورد المظالم حال الصحة والرخاء؛ عملاً بالحديث الشريف: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده».
استشعار سرعة زوال الدنيا وانقطاع علائقها؛ فكل الروابط الأسرية والمالية تنفصم في لحظة واحدة بأمر الله.