تصوير الوقاحة والجرأة في ضرب الأمثال العاجزة لقياس قدرة الخالق المطلقة على عجز المخلوق الفاني؛ حيث أتى هذا الكافر بعظم بالٍ ففته بيده مستنكراً إحياءه، ونَسِي في غمرة غروره وجهله كيف خلقه الله أول مرة من العدم، وطرح سؤاله التعجيزي بتهكم: من يقدر على إحياء هذه العظام النخرة البالية بعد أن صارت تراباً ورَميماً؟
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 644)جامع البيانالطبري٢٠/٦٤٤: «يقول تعالى ذكره: ومثّل هذا المشرك لنا مثلاً وقاس قدرتنا بقدرة خلقه العاجزين، ونسي خلقنا إياه من نطفة ميتة حتى صيرناه إنساناً حياً ناطقاً؛ قال منكراً لقدرتنا: من يحيي هذه العظام وهي رميم؛ أي وهي بالية متفتتة قد بليت ورَمّت وصارت تراباً؟».
وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: «الرميم: البالية المتفتتة، يقال: رمّ العظم يَرِمّ فهو رميم إذا بلي وتفتت».
ولم تلحق الرميم تاء التأنيث لأنه معدول عن فاعل (رامّ) إلى فعيل، أو لأنه اسم لا صفة كالنطيحة والقتيل إذا أريد به الجنس، أو لتناسب الفواصل.
وقال ابن كثير: «أي استبعد إعادة الله تعالى للأجساد وبعثها يوم القيامة لما رأى من تفتت العظام وبلاها، ونسي أن الله خلقه من العدم وهو أعظم من الإعادة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَضَرَبَ}: الواو عاطفة أو حالية، «ضرب» فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الإنسان الخصيم.
{لَنَا}: جار ومجرور متعلق بضرب.
{مَثَلًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة. والمثل هنا: القياس المستغرب أو الشبه والصفة العجيبة.
{وَنَسِيَ}: الواو حالية، «نسي» فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل نصب حال؛ أي ضرب المثل في حال نسيانه وغفلته عن أصل خلقته.
{خَلْقَهُ}: مفعول به منصوب بالفتحة وهو مصدر مضاف لفاعله أو لمفعوله، والهاء مضاف إليه.
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والجملة مستأنفة مفسرة لضرب المثل.
{مَن}: اسم استفهام استنكاري نفيي مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{يُحْيِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة خبر المبتدأ «من»، وجملة الاستفهام مقول القول في محل نصب.
{الْعِظَامَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَهِيَ}: الواو حالية، «هي» ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{رَمِيمٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من العظام. والرميم: البالي المتفتت الذي صار كالهشيم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جملة {وَنَسِيَ خَلْقَهُ} جملة حالية معترضة بين ضرب المثل وقوله، وهي في غاية الإحكام البلاغي؛ لأنها كشفت العوار العقلي للخصم قبل أن تذكر كلامه؛ فبينت أن هذا السؤال والقياس لم يصدر عن فكر عميق، بل عن ذهول وسقوط وغفلة تامة عن الذات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قياس الغائب على الشاهد والقدرة الإلهية على العجز البشري: يرى الإنسان العظم البالي فلا يقدر هو ولا كل البشر مجتمعين على إعادة الحياة إليه، فيقيس قدرة الله على قدرة نفسه ويقول: مستحيل أن يحيا هذا العظم!
رد الشبهة بالمحاكمة المنطقية لقياس التمثيل الفاسد: هذا القياس هو أفسد قياس عقلي عرفته البشرية؛ لأنه قياس للخالق المطلق الغني القادر على المخلوق الحادث الضعيف المحدود، فإذا كان البشر يعجزون عن جمع ذرات العظم ورد الحياة إليه، فإن الله تعالى هو الذي أنشأ تلك الذرات أصلاً وأودع فيها الحياة والصلابة، فالقياس مع الفارق باطل بالبداهة العقلية.
التشنيع بـ {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا}: تقديم الجار والمجرور {لَنَا} للتشنيع والتقبيح العظيم؛ كيف يجرؤ هذا العبد الضعيف أن يضرب لله ربه وخالقه مثلاً يقيس به قدرته العظيمة!
الحال الصادمة في {وَنَسِيَ خَلْقَهُ}: إيجاز حاسم يسقط حجة الخصم بنصف جملة؛ فدليل الإحياء موجود في خلقه هو، فكيف ينساه ويبحث عن عظم حائل في التراب!
التعبير بـ {رَمِيمٌ} دون رميمة: لمراعاة الفاصلة القرآنية البديعة، وللدلالة على صيرورة العظام جنساً من الرفات والتراب البالي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توجيه المحاجج في قضايا الإيمان إلى البدء بالأنفس قبل الآفاق؛ فكل إنسان يحمل في تكوينه ونموه أعظم برهان على قدرة الله وحكمته.
الأدب التام مع الله تعالى وتنزيهه عن مقاييس العقول القاصرة؛ فلا يُقاس الله بخلقه ولا يُسأل عن كيفية أفعاله بمقاييس البشر الضعيفة.