التذكير بالوقائع التاريخية لغواية إبليس ومصارع الأمم الغابرة؛ حيث يلفت الله عقول المخاطبين إلى التاريخ البشري المليء بالجماعات الضخمة والأمم الكثيرة التي استدرجها الشيطان وأضلها عن الصراط المستقيم فأهلكها الله بالخسف والغرق والصيحة، موبخاً إياهم على تعطيل عقولهم وعدم أخذ العبرة ممن سلف.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 617)جامع البيانالطبري٢٠/٦١٧: «يقول تعالى ذكره: ولقد أضل هذا الشيطان الذي عبدتموه من دوني من بني آدم خلقاً كثيراً وجموعاً لا يحصي عددهم إلا الله، أفلم تكن لكم عقول تتدبرون بها فتعلمون عداوته لكم، وما حل بمن أطاعه من الأمم السابقة من بأس الله وعذابه، فتحذروا أن يحل بكم ما حل بهم؟».
والجِبِلّ في كلام العرب: الخلق والجماعة العظيمة، وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر {جِبِلًّا} بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف {جُبُلًا} بضم الجيم والباء وتخفيف اللام، وقرأ أبو عمرو وابن عامر {جُبْلًا} بضم الجيم وسكون الباء وتخفيف اللام، وكلها لغات فصيحة في الجماعة والخلق.
وقال قتادة ومجاهد: «{جِبِلًّا كَثِيرًا}؛ أي خلقاً كثيراً وجم غفيراً من الأمم السابقة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية أو عاطفة، واللام واقعة في جواب قسم مقدر، و«قد» حرف تحقيق.
{أَضَلَّ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الشيطان.
{مِنكُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من «جبلاً» أو متعلق بأضل.
{جِبِلًّا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة. وهو الخلق العظيم المجموع، مأخوذ من الجبل لضخامته ورسوخه وكثرته.
{كَثِيرًا}: نعت لجبلاً منصوب بالفتحة الظاهرة.
{أَفَلَمْ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والفاء عاطفة على مقدر، و«لم» حرف نفي وجزم وقلب.
{تَكُونُوا}: فعل مضارع ناقص مجزوم بحذف النون، والواو اسمه.
{تَعْقِلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب خبر «تكونوا»، وجملة أفلم تكونوا تعقلون معطوفة على مقدر تقديره: أعاينتم ذلك فلم تكونوا تعقلون؟
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التوبيخ يتصل بالتحذير السابق {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}؛ فبين أن عداوته ليست مجرد نظرية أو تهديد لفظي، بل لها شواهد واقعية وتاريخية دامية بملايين الهلكى والضالين الذين ساقهم الشيطان إلى حتفهم، فكيف يتبع العاقل من ثبت بالدليل القاطع والتجربة المتواترة أنه مهلك مضل!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاحتجاج بالكثرة كدليل على صحة المذهب: يزعم المقلدون أن أكثر الناس وأغلب المجتمعات تسير على هذا الدرب أو تتبع هذه الموضات، فكيف نكون على خطأ والأغلبية معنا؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية والقرآنية في بطلان ميزان الكثرة المجردة: رد القرآن هذه الشبهة رداً حاسماً؛ فالشيطان قد أضل {جِبِلًّا كَثِيرًا}، والكثرة الكافرة الهالكة لا تجعل الباطل حقاً، بل تدل على خطورة الغواية وضرورة اليقظة، كما قال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}، فميزان الحق هو موافقة الوحي والعقل الصريح لا الكثرة الكاثرة.