مشهد الفرز الرهيب وطرد أهل الإجرام وعزلهم المخزي عن عباد الله الصالحين يوم القيامة؛ حيث يأمر الجبار جل جلاله الكفار والمجرمين بالانفصال والتميّز عن صفوف المؤمنين، بعد أن كانوا في الدنيا مختلطين بهم في المساكن والأسواق والقرابات، فيساقون منبوذين إلى مصيرهم المظلم في جهنم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 613)جامع البيانالطبري٢٠/٦١٣: «يقول تعالى ذكره: ويقال لهؤلاء المشركين بالله في ذلك اليوم: تميزوا وانفردوا اليوم عن المؤمنين، وكونوا على حدة يا أهل معاصي الله، فقد أبان الله بينكم وبين أوليائه وفصل بين فريقي الحق والباطل. والامتياز في كلام العرب: الانفصال والاعتزال عن الشيء».
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: «{وَامْتَازُوا الْيَوْمَ}؛ أي اعتزلوا عن المؤمنين وكونوا وحدكم، فإنه لا يجمع بينكم وبينهم اليوم مجلس ولا ظل ولا كرامة».
وقال ابن كثير: «أي تميزوا عن المؤمنين؛ فإنهم كانوا في الموقف مختلطين، فإذا أذن الله في فصل القضاء نودي فيهم: امتازوا اليوم أيها المجرمون، فينحاز الكفار إلى جانب والمؤمنون إلى جانب، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَامْتَازُوا}: الواو عاطفة على مقدر أو استئنافية، «امتازوا» فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل. والامتياز: الافتعال من الميز، وهو عزل الشيء عن غيره وفرزه حتى يبين.
{الْيَوْمَ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بامتازوا.
{أَيُّهَا}: «أيّ» منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب بأداة نداء محذوفة تقديرها: يا أيها، والهاء حرف تنبيه لا محل له من الإعراب.
{الْمُجْرِمُونَ}: نعت أو بدل أو عطف بيان لـ «أيّ» مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم تَبَعاً للفظ المنادى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التقابل الهائل يأتي مباشرة بعد إتمام مشهد نعيم أهل الجنة وسلام الرب الرحيم عليهم {سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}؛ فلما حاز المؤمنون ذروة الكرامة والاصطفاء، صدر الأمر الإلهي القاطع بطرد المجرمين وعزلهم وتوبيخهم، ليظهر التمايز التام بين دار النعيم ودار الجحيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم نفع القرابات والأنساب في الآخرة أو الشفاعة للمجرمين بغير إذن: قد يظن المغتر بنسبه أو قرابته من الصالحين أنه سينجو بجوارهم يوم الحشر.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية في الانفصال التام بين الحق والباطل: كلمة {وَامْتَازُوا} أمر كوني جزائي قاطع يقطع كل حبل من حبال القرابة الدنيوية وينسف كل شفاعة باطلة للمشركين؛ فلا نسب اليوم ولا خلة تنفع: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ}، فالمعيار الأوحد للنجاة هو الإيمان والعمل الصالح.