جواب الرسل الأطهار على تكذيب القوم العنيف؛ حيث استشهدوا بعلم الله المحيط المحتكم إليه بين الصادق والكاذب، مؤكدين رسالتهم بأعلى درجات التوكيد.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 545)جامع البيانالطبري٢٠/٥٤٥: «يقول تعالى ذكره: قال الرسل لأهل القرية المكذبين: ربنا الذي أرسلنا وخلقنا يعلم علماً يقيناً إنا إليكم لمرسلون، ولو كنا كذبة عليه لانتقم منا وعاجلنا بالعقوبة؛ كما قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ}، وفي علم الله كفاية وبرهان على صدقنا».
وقال ابن كثير: «أي لما كذبهم القوم واشتد إنكارهم، قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون؛ ولو كنا نكذب عليه لأحل بنا نقمته وبأسه الشديد، ولكنه ناصرنا ومظهرنا عليكم وسترون لمن تكون عاقبة الدار».
وقال قتادة: «استشهد الرسل بعلم الله لما كذبهم القوم وجحدوا رسالتهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالُوا}: فعل ماض والواو فاعل (الرسل الثلاثة).
{رَبُّنَا}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، و«نا» ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{يَعْلَمُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ «ربنا»، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. وجملة العلم جرت مجرى القسم؛ فلذلك جاء جوابها مصدراً بمؤكدات القسم.
{إِنَّا}: حرف توكيد ونصب و«نا» اسمها.
{إِلَيْكُمْ}: متعلق بـ «مرسلون».
{لَمُرْسَلُونَ}: اللام هي اللام المزحلقة الواقعة في خبر «إن» تفيد التوكيد، «مرسلون» خبر «إن» مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وسدت جملة {إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} مسد مفعولي «يعلم» (أو جواب قَسَم مضمن في يعلم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني يمثل قمة الإعجاز البلاغي في مراعاة «مقتضى الحال ومقامات الخطاب»:
في الآية (14) عند بدء الدعوة قال الرسل: {إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ} بمؤكد واحد فقط وهو {إِنَّ}؛ لأن المخاطب كان في مقام الإنكار الابتدائي المتردد.
أما هنا في الآية (16) بعد أن جحد القوم واشتد تكذيبهم وقالوا: {إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}، ارتقى خطاب الرسل لمواجهة هذا الإنكار العاتي بأربعة مؤكدات عظمى:
الاستشهاد بعلم الله الجاري مجرى القسم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ}.
حرف التوكيد: {إِنَّ}.
الضمير المؤكد: {نَا}.
اللام المزحلقة في الخبر: {لَمُرْسَلُونَ}.
هذا التدرج في التوكيد يطابق أعلى قواعد علم المعاني والبلاغة القرآنية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كفاية الاستشهاد بعلم الله دون إظهار المعجزات في الجواب: قد يقول معترض: كيف يكتفي الرسل بقولهم {رَبُّنَا يَعْلَمُ} وهو كلام يدعيه كل مبطل، ولم يبرزوا لهم خوارق حسية في هذا الموضع؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية والسننية:
الاستشهاد بعلم الله الصادر من الرسل ليس مجرد دعوى لفظية، بل هو «استدلال بامتناع إقرار الله للكاذب عليه في مقام الرسالة»؛ فالعقل الصريح يقرر أن الخالق الحكيم القادر لا يمكن أن يمكن كاذباً مفترِياً يدعي النبوة ويستشهد بعلم ربه ويجري على يديه الهداية والتمكين دون أن يفضحه ويبطش به، فاستمرارهم في الدعوة بثقة وتحدٍ تحت علم الله القهار هو برهان قطعي على صدقهم.
سياق القصة أوجز ذكر المعجزات لوضوحها في الآيات التالية وفي رد مؤمن آل يس؛ إذ الرسل ما أُرسلوا إلا بالبينات، ولكن المعاند إذا عمي قلبه لا تنفعه حتى المعجزات الحسية.
إضافة الرب إلى ضمير الرسل في {رَبُّنَا}: تشريف وتكريم واعتزاز بهذه العبودية الخاصة والصلة الوثيقة بربهم وخالقهم الذي تولى نصرهم وحفظهم.
إجراء الفعل {يَعْلَمُ} مجرى القسم: أبلغ أساليب التوثيق الروحي؛ حيث أحالوا القضية إلى الحَكَم العدل العليم بالسرائر.
التوازن البياني في زيادة التوكيد باللام: {لَمُرْسَلُونَ} لم تكن في الأولى وجاءت هنا لكسر شوكة التكذيب العاتي بحزم ويقين لا يتزعزع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بالله عند اشتداد الأزمات وتكذيب الخصوم: ملاذ الداعية وحصنه المنيع حين تتكالب عليه قوى التكذيب والتشويه هو علمه بأن ربه يعلم صدقه وإخلاصه؛ فيكفيه علم الله عن شهادة الخلق، ويمضي في طريقه لا يبالي بافتراء المفترين.
الأدب الرفيع في الخطاب الدعوي: لم يقابل الرسل سباب أهل القرية وتكذيبهم بسباب مماثل، بل قابلوا العنف بالثبات الرصين والاستشهاد بعلم الله، وهو درس بليغ في ضبط النفس وتنزيه الدعوة عن الانحدار إلى معارك المهاترات.