كشف الشح والبخل المقيت المصحوب بالاحتجاج الباطل بالقدر؛ حيث يصور القرآن وقاحة كفار قريش عندما يأمرهم المؤمنون أو الرسول صلى الله عليه وسلم بالإنفاق على الفقراء والمساكين مما وسع الله عليهم من الرزق، فيردون بسفسطة خبيثة: كيف نطعم من لو شاء الله أن يطعمه ويغنيه لأطعمه؟ ثم يتجرؤون باتهام أهل الإيمان والرحمة بالضلال المبين.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 590)جامع البيانالطبري٢٠/٥٩٠: «يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المشركين بالله: أنفقوا مما آتاكم الله من الأموال وتصدقوا على ذوي الحاجة من فقرائكم، قال الذين كفروا بالله للذين آمنوا به لما أمروهم بالصدقة: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟ يعنون بذلك: لو شاء الله أن يطعم هذا المحتاج لأطعمه ولم يحوجه إلينا، فأنتم تأمروننا بخلاف مشيئة الله! ما أنتم أيها المؤمنون في أمركم إيانا بالنفقة إلا في ضلال مبين؛ أي ذهاب عن طريق الحق واضح».
وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: «نزلت في زنادقة من قريش، كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يأمرونهم بالصدقة على الفقراء، فيقولون مستهزئين: لو أراد الله ألا يجوعوا ما أطعمناهم، ونحن نوافق مشيئة الله فيهم! فأنزل الله هذه الآية تكذيباً لهم وتوبيخاً».
وقال ابن كثير: «احتجوا بالقدر على معصية الشرع، كما قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا}، وهذا كفر وضلال وجهل بحكمة الابتلاء والتشريع».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، «إذا» ظرفية شرطية غير جازمة.
{قِيلَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بقيل.
{أَنفِقُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول القول في محل رفع نائب فاعل لـ «قيل».
{مِمَّا}: «من» جارة، و«ما» اسم موصول في محل جر، والجار والمجرور متعلق بأنفقوا.
{رَزَقَكُمُ}: فعل ماض مبني على الفتح، والكاف مفعول به أول، والميم للجمع وحركت بالضم لالتقاء الساكنين.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره: رزقكموه الله.
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح، وهو جواب الشرط لـ «إذا».
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل «قال».
{مُّبِينٍ}: نعت لضلال مجرور بالكسرة الظاهرة، وجملة {إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} إما من مقول الكفار للمؤمنين، وإما من كلام الله رداً وتقريعاً للكفار.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج القرآن في فضح مخازيهم؛ فبعد أن بين قبح إعراضهم عن حقوق الخالق والتوحيد: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ... إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ}، ثنّى ببيان قبح سلوكهم في حقوق الخلق ومنعهم للصدقات وإهدارهم لمبدأ التكافل الاجتماعي والتضامن الإنساني.
التعبير بـ {مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} يحمل تذكيراً لطيفاً بأن المال مال الله ابتداءً، فلماذا يبخل العبد بمال غيره على عباد ربه!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاحتجاج بالقدر على تعطيل الأمر الشرعي ومواساة الفقراء: شبهة الجبرية الزنادقة؛ يزعمون أن الله لو أراد أن يرزق الفقير لرزقه مباشرة، فإعطاؤنا له معارضة لمشيئة الله وإرادته الكونية!
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية في التمييز بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية وحكمة الابتلاء: هذه مغالطة عقلية مفضوحة؛ فالله تعالى قادر على إغناء كل حي بلا شك، ولكنه سبحانه جعل الدنيا دار ابتلاء وامتحان، فابتلى الغني بالبذل والشكر، وابتلى الفقير بالصبر والتعفف، وأمر العباد بأمره الشرعي (أنفقوا)، فالمشيئة الكونية في إفقار فلان لا تبرر مخالفة الأمر الشرعي بالإنفاق عليه، والاحتجاج بالقدر على ارتكاب المعاصي والبخل هو ديدن المشركين والزنادقة، ولو صح هذا الاحتجاج لبطلت الشرائع كلها ولسقطت العقوبات عن اللصوص والقتلة بحجة أن الله قدر فعلهم!
إظهار الاسم الموصول في موضع الإضمار: {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا} بدلاً من «قالوا لهم»؛ لتسجيل صفة الكفر عليهم في هذا الموقف المشين، وبيان أن هذا المنطق السفسطائي ناشئ عن كفرهم، وأن المستمعين الناصحين متصفون بالإيمان.
قصر التوجيه في {إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}: قصر موصوف على صفة، يعكس قمة الوقاحة وقلب الحقائق؛ حيث جعل الكافر البخيل نفسه صاحب حكمة وبصيرة، وجعل المؤمن الرحيم الداعي للخير ضالاً تائهاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر التام من منطق الجبر الباطل والاتكالية المقيتة في مواجهة الأزمات الاجتماعية والفقر؛ فالواجب على المجتمع المسلم تفقد المحتاجين ومد يد العون كفريضة شرعية وإنسانية.
اليقين بأن المال عارية مستودعة عند الإنسان؛ فالرازق الحقيقي هو الله، والإنفاق برهان الإيمان ونماء للمال: «ما نقصت صدقة من مال».