انضباط النظام الكوني البديع وامتناع التصادم أو الاضطراب بين أجرام السماء؛ فالشمس لا يمكن لها ولا يصح في حكمة الله أن تدرك القمر فتذهب بسلطانه ونوره أو تجتمع معه فتبطل ليله، ولا الليل يسبق النهار فيدخل عليه قبل انقضاء وقته، بل لكل منهما وقت مقدر ومدار محدد، وجميع هذه الأجرام السماوية تسبح في أفلاكها الخاصة منقادة طائعة لربها.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 579)جامع البيانالطبري٢٠/٥٧٩: «يقول تعالى ذكره: ليس للشمس أن تلحق القمر فتجتمع معه في فلك واحد فتذهب بضوئه أو تغير سلطانه، ولا لليل أن يسبق النهار فيحول بينه وبين وقته حتى يستوفي النهار حقه وينقضي سلطانه، ولكل واحد منهما سلطان، فسلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وكل في فلك يسبحون؛ أي في مدار يجرون ويدورون فيه بأمر الله».
وروى ابن أبي حاتم والطبري عن ابن عباس ومجاهد والضحاك قالوا: «لا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل فتبطل سلطان القمر، ولا ينبغي لليل أن يفوت النهار ويدخل عليه قبل تمامه، ولكل حد معلوم».
وقال ابن كثير: «لكل واحد منهما سلطان وغاية؛ إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان ذاك، لا يتعاصيان ولا يتداخلان، وكل في فلك يسبحون؛ أي يجرون مسرعين في مداراتهم كالسابح في الماء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَا}: نافية للجنس أو نافية مهملة لدخولها على معرفة.
{الشَّمْسُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{يَنبَغِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
{لَهَا}: جار ومجرور متعلق بينبغي.
{أَن تُدْرِكَ}: «أن» حرف مصدري ونصب، «تدرك» فعل مضارع منصوب بالفتحة الظاهرة، والفاعل مستتر تقديره هي، والمصدر المؤول {أَن تُدْرِكَ} في محل رفع فاعل «ينبغي».
{الْقَمَرَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَلَا}: الواو عاطفة، «لا» نافية.
{اللَّيْلُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{سَابِقُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وهو اسم فاعل مضاف.
{النَّهَارِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله، ويجوز تنوينه ونصب النهار مفعولاً به في غير القرآن.
{وَكُلٌّ}: الواو للاستئناف، «كل» مبتدأ مرفوع بالضمة ونُوّن تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف؛ أي: وكلهم أو وكل كوكب وفلك.
{فِي فَلَكٍ}: جار ومجرور متعلق بيسبحون. والفلك هو المدار الدائري أو الإهليلجي الذي يجري فيه الجرم.
{يَسْبَحُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ «كل». وجُمع بالواو والنون الخاصة بالعقلاء لمعاملتها معاملة العقلاء في السباحة والانقياد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإحكام التشريعي والكوني يمثل ذروة استعراض أدلة النظام السماوي؛ فبعد أن ذكر الليل وسلخه، والشمس وجريانها، والقمر ومنازله، جمعها جميعاً في قانون التوازن الكوني الصارم الذي يمنع التصادم والاضطراب، مما يقطع الطريق على أي شبهة تدعي الفوضى أو الصدفة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم اجتماع الشمس والقمر في الكسوف يناقض قوله {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ}: قد يتساءل البعض كيف لا تدرك الشمس القمر ونحن نرى كسوف الشمس بمحاذاة القمر لها؟
رد الشبهة بالدقة العلمية والبلاغية: الإدراك المنفي في الآية هو إدراك المزاحمة وإلغاء السلطان أو التداخل الفيزيائي في مدار واحد، فالقمر في فلك قريب من الأرض على بعد مئات الآلاف من الكيلومترات، والشمس في فلك بعيد جداً على بعد مئات الملايين من الكيلومترات، فكل منهما في فلكه المستقل يسبح دون أن يصطدم بالآخر أو يدخل في مجاله المداري، والكسوف مجرد محاذاة بصرية مؤقتة من زاوية الرائي الأرضي لا تصادم فيه ولا تداخل.
إجراء ضمير العقلاء على الجمادات {يَسْبَحُونَ}: حيث أتى بضمير الجمع للعاقل للدلالة على كمال انقياد هذه الأجرام لمشيئة الله وخضوعها لطاعته كأنها كائنات عاقلة واعية تسجد وتسبح وتطيع.
استعارة السباحة {يَسْبَحُونَ}: استعارة تمثيلية بالغة الدقة؛ لأن الفضاء الكوني مائع وممتد لا فراغ مطلق فيه، وحركة الأجرام فيه تشبه سباحة الأسماك في البحار وطفو السفن في اللجج.
الجناس والتقابل البديع: بين الشمس والقمر، والليل والنهار، لإظهار كمال التناغم في التضاد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس فضيلة الانضباط والنظام في حياة المسلم ومجتمعه؛ فالكون كله يسير وفق نظام دقيق صارم لا يتخلف ولا يعتوره ارتجال أو فوضى، فحري بأمة القرآن أن تكون أرقى الأمم نظاماً ومحافظة على المواعيد والعهود.
طمأنينة القلب إلى حفظ الله للكون؛ فالأرض التي نعيش عليها معلقة في فضاء فسيح بين أجرام هائلة تسير بسرعات جنونية، وحفظها من التصادم هو برحمة الله وتدبيره وحفظه الدائم.