تصوير صاعق وموجز لسرعة إبادة أهل القرية واستئصالهم بصوت واحد قاهر من السماء أخمد أنفاسهم وقلوبهم فصاروا كالنار المطفأة والرماد الهامد.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 563)جامع البيانالطبري٢٠/٥٦٣: «يقول تعالى ذكره: ما كانت عقوبتهم وإهلاكهم إلا صيحة واحدة صاح بهم جبريل عليه السلام من جو السماء صيحة غضب، فإذا هم موتى هامدون صرعى لا حراك بهم ولا حس لهم؛ كالنار إذا طفئت فصارت رماداً خامداً».
وقال قتادة: «صاح بهم جبريل صيحة واحدة فأهلكهم الله مكانه، فخمدوا كما تخمد النار».
وقال ابن كثير: «أخذتهم صيحة واحدة أزهقت أرواحهم وفجرت قلوبهم في صدورهم، فأصبحوا صرعى هامدين لا يتكلمون ولا يتحركون كالحطب المحترق والرماد الهامد».
وقرأ الجمهور بنصب التاء المربوطة {صَيْحَةً وَاحِدَةً} على أنها خبر «كانت» واسمها مستتر تقديره: «ما كانت الأخذة أو العقوبة إلا صيحة واحدة»، وقرأ أبو جعفر وشيبة بالرفع «صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ» على أن «كان» تامة؛ أي ما وقعت وحدثت إلا صيحة واحدة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِن}: حرف نفي مبني على السكون بمعنى «ما».
{كَانَتْ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح والتاء للتأنيث، واسمها ضمير مستتر تقديره هي يعود على العقوبة أو الأخذة المفهومة من السياق (أو تامة وفاعلها صيحة).
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء مفرغ ملغاة.
{صَيْحَةً}: خبر «كانت» منصوب بالفتحة الظاهرة (أو فاعل مرفوع بالضمة على قراءة الرفع). والصيحة: الصوت الشديد الهائل المنكر الذي يفلق القلوب ويصعق الأسماع.
{وَاحِدَةً}: نعت لـ {صَيْحَةً} منصوب بالفتحة؛ لبيان أنها لم تتكرر ولم تحتج إلى ثانية لسرعة مفعولها الحاسم.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة للتعقيب والسرعة، «إذا» الفجائية حرف مبني لا محل له يفيد المفاجأة والسرعة الخاطفة.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{خَامِدُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. والخمود: سكون اللهب وذهاب حرارة النار وبرودها وصيرورتها رماداً؛ مأخوذ من خمدت النار إذا سكن لهبها وطفئت، وخمد المريض إذا سكنت حركته ومات.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يمثل ذروة الإيجاز الإعجازي القرآني؛ ففي بضع كلمات محددة صُور مشهد إبادة مدينة كاملة بحصونها ورجالها وأموالها؛ فبعد أن قال في الآية السابقة {وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ} بيّن هنا أداة الإهلاك المباشرة: {إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً}.
التقابل البصري والحركي المذهل: صوت واحد هائل من السماء (حركة عنيفة)، يعقبه السكون التام والموت العام التام وبرود الأجساد: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة فاعلية الموجات الصوتية في الإهلاك البيولوجي الفوري: قد يستبعد من لا معرفة له بالفيزياء أن يهلك مجتمع كامل بمجرد «صوت وصيحة».
رد الشبهة بالمحاكمة العلمية الحديثة للترددات الصوتية: أثبتت الدراسات الفيزيائية والطبية الحديثة أن الموجات الصوتية ذات الترددات التضاغطية العالية والقوة الانفجارية الهائلة (الموجات فوق الصوتية التدميرية) قادرة على تمزيق الأنسجة الحيوية، وتفجير طبلة الأذن، وإحداث نزيف حاد فوري في الدماغ وتوقف عضلة القلب في جزء من الثانية؛ فالصيحة الإلهية بقوتها وتردداتها الكونية المعجزة كفيلة بإخماد الخلايا الحية وإسقاط الجبابرة صرعى في لحظة واحدة، فالقرآن قرر حقيقة علمية وسننية قاطعة.
أسلوب القصر والحصر بـ {إِن... إِلَّا}: للدلالة على سهولة الفعل على القدرة الإلهية، وهوان أولئك المستكبرين؛ فلم يتطلب الأمر معارك ولا حصاراً بل صيحة واحدة وانتهى كل شيء.
الوصف بـ {وَاحِدَةً}: احتراز بديع لبيان أنها بلغت الغاية القصوى في القوة حتى أغنت عن أي تكرار.
استعمال «إذا الفجائية» في {فَإِذَا هُمْ}: لنقل المفاجأة السريعة؛ فبين الحياة والصياح والتهديد وبين الموت الخمود لحظة خاطفة.
الاستعارة التصريحية البديعة في {خَامِدُونَ}: تشبيه لأهل القرية بالنيران الملتهبة المتطايرة شرراً بالاستكبار والظلم والوعيد، ثم تحولوا فجأة إلى رماد هامش بارد لا روح فيه ولا حركة، وهو تجسيم لزوال الطغيان وانطفائه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار سرعة زوال القوة البشرية: ليعلم كل طاغية وكل مغتر بقوته وصحته وأمواله أن وجوده كله معلق بنَفَس، وصيحة واحدة أو توقف نبضة واحدة كفيل بإنهاء جبروته وجعله رماداً خامداً، فليتب العبد إلى ربه قبل فوات الأوان.
الطمأنينة بنصر الله الحاسم: إن الله يملي للظالمين دهراً، ولكن إذا جاء وعد ربي قضى عليهم بكلمة وأمر في طرفة عين، فلا ييأس المؤمنون من سطوة الباطل الزائل.