تصوير إعراض المشركين وتعاميهم عن آيات الله ونذر العذاب؛ حيث بين سبحانه أن هؤلاء الجاحدين إذا وُعظوا ونُصحوا بأن يتقوا عذاب الله الذي ينتظرهم، أو ما سلف من ذنوبهم وما يستقبلون، أو ما نزل بالأمم السابقة من الهلاك وما ينتظرهم في الآخرة لعلهم ينالون رحمة الله، أعرضوا واستكبروا وطغوا، وجواب الشرط محذوف تقديره: أعرضوا وكذبوا، للدلالة على فظاعة ردهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 588)جامع البيانالطبري٢٠/٥٨٨: «اختلف أهل التأويل في معنى {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ}؛ فقال مجاهد: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} من الوقائع والأيام فيمن خلا من الأمم المكذبة ونزل بهم بأس الله، {وَمَا خَلْفَكُمْ} من أمر الآخرة وعذابها إن لم تؤمنوا. وقال قتادة والسدي: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} من الذنوب التي عملتموها فاحذروها، {وَمَا خَلْفَكُمْ} مما لم تعملوه بعد فلا تقربوه. وقال ابن عباس في رواية: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} من أمر الدنيا ومخاوفها، {وَمَا خَلْفَكُمْ} من الآخرة وأهوالها».
وقال ابن كثير: «أي احذروا ما سلف من ذنوبكم وما تستقبلون من عذاب الآخرة، أو ما بين أيديكم من عذاب الدنيا وما خلفكم من عذاب البرزخ والقيامة لعلكم ترحمون، ولكنهم أعرضوا ولم يلتفتوا».
وقال القرطبي: «حذف جواب الشرط لإفادة التهويل والفظاعة؛ أي إذا قيل لهم ذلك أعرضوا أو ضحكوا أو تمادوا في كفرهم، ودل على هذا المحذوف قوله بعده: {إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَإِذَا}: الواو استئنافية، «إذا» ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه المحذوف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية بعد استعراض تلك الآيات الكونية الباهرة (إحياء الأرض، الجنات، الأفلاك، السفن)، لتبين الموقف النفسي والسلوكي لهؤلاء المعاندين؛ فبدلاً من أن تقودهم هذه البراهين إلى الخوف من بطش الله وتقواه ونيل رحمته، قابلوا النصيحة والموعظة بالاستكبار والصدود.
حذف جواب الشرط يثير في النفس أقصى درجات الاستبشاع لموقفهم؛ كأن اللسان يعف عن ذكر وقاحتهم وقسوة قلوبهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم عدم التكليف أو الأمان من مكر الله عند الإعراض: يزعم المشرك والمغتر بدنياه أن عدم نزول العذاب الفوري دليل على أنه في أمان تام ولا يضره تكذيبه.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية لحقيقة الإمهال والتقوى: إن الذي يملك الإحياء والإفناء وتصريف الشمس والقمر وإغراق السفن في طرفة عين لا يعجزه أخذ الكافر في أي لحظة، وتقوى ما بين الأيدي وما خلف هو مقتضى العقل والحيطة لكل إنسان؛ إذ لا يدري المرء متى ينزل به بأس الله أو تنتهي حياته، فالإعراض عن الحذر تهور عقلي وانتحار روحي.
إيجاز الحذف التهويلي: في حذف جواب {وَإِذَا قِيلَ} ليذهب الوهم كل مذهب في تقدير عتوهم ونفورهم، وهو من أبلغ أساليب القرآن في الإيجاز والتهويل.
استيعاب الزمان والجهات في {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ}: استعارة تمثيلية تشمل كل المخاوف؛ ما تقدم من ذنوب وما يستقبل من عذاب، أو ما شوهد في الدنيا وما يترقب في الآخرة، لحصار النفس من كل جهة حتى تنيب وتتقي.
الرجاء في {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}: لبيان أن التقوى هي السبيل الوحيد لاستجلاب رحمة الله، وأن رحمة الله قريبة من المحسنين المتقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توجيه الدعاة إلى الصبر على إعراض المعرضين وسوء أدبهم؛ فإن الأنبياء والمصلحين قوبلت نصائحهم الشفيقة بالإعراض والصدود.
محاسبة النفس الدائمة على ما سلف وما سيأتي؛ فالمؤمن الحق وجل القلب بين مخافتين: ذنب قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه.