مشهد النعيم الفوري والكرامة الإلهية للشهيد البطل؛ حيث طوى القرآن قتله الدامي ونقله فور خروج روحه إلى رحاب الجنة مبشراً بالخلود، وتصوير لأعظم قلوب الصالحين نقاءً وسماحة؛ حيث تمنى لو يعلم قومه القتلة بما ناله من كرامة ربه لعلهم يؤمنون ويهتدون.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 558)جامع البيانالطبري٢٠/٥٥٨: «يقول تعالى ذكره: لما قتل هؤلاء المشركون ذلك الرجل المؤمن، قيل لروحه على لسان الملائكة: ادخل الجنة مبجلاً مكرماً، فلما دخلها ورأى ما أعد الله له فيها من النعيم والكرامة العظيمة، قال مشفقاً ناصحاً: يا ليت قومي الذين كذبوني وقتلوني يعلمون ما أنا فيه من النعيم والكرامة».
وأخرج ابن أبي حاتم والطبري عن قتادة ومجاهد وابن عباس قالوا: «نصح قومه حياً، ونصحهم ميتاً؛ فلما عاين الكرامة تمنى أن يعلم قومه بحاله ليعلموا أن الرسل كانوا صادقين فيؤمنوا بالله ويدخلوا الجنة، ولم يحمله قتلهم له على الحقد والتشفي منهم، فما أعظم هذا القلب الشفيق!».
وقال ابن كثير: «غفر الله له بقتله في سبيله وأدخله الجنة، فلما رأى ما حواه من الخيرات قال: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قِيلَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح، وحذف الفاعل وهو الله تعالى أو الملائكة الكرام بأمره.
{ادْخُلِ}: فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت، والجملة مقول القول في محل رفع نائب فاعل.
{الْجَنَّةَ}: مفعول به منصوب بالفتحة على السعة، أو منصوب بنزع الخافض؛ أي إلى الجنة.
{قَالَ}: فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو (الرجل المؤمن الشهيد).
{يَا}: حرف تنبيه أو حرف نداء والمنادى محذوف.
{لَيْتَ}: حرف تمنّ ونصب من أخوات إن.
{قَوْمِي}: اسم «ليت» منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم لمنع اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء ضمير متصل مضاف إليه.
{يَعْلَمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة {يَعْلَمُونَ} في محل رفع خبر «ليت»، والجملة مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإيجاز القرآني المعجز يحبس الأنفاس؛ فلم يذكر تفاصيل ضربهم له، ولا كسر أضلاعه، ولا سيلان دمه، بل أسدل الستار تماماً على جريمة القوم الأرضية القبيحة، وفتح الستار فوراً على المشهد العلوي القدسي: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ}؛ ليعلم المؤمنون أن ما بين ألم الشهادة والنعيم المقيم ليس إلا خروج الروح فقط.
ثم كانت أمنيته في الجنة: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} في غاية التناسب؛ فلم يتمنَ الانتقام منهم ولا تعذيبهم، بل تمنى لو يعلمون ليزول عنهم الجهل فيهتدوا، وهي قمة السماحة النبوية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم موت الشهداء وفنائهم الحسي: يظن القاصرون أن القتل في سبيل الله خسارة للحياة ونهاية للوجود.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لحياة الشهداء والبرزخ: أثبتت الآية بنص قطعي أن الشهيد ينتقل فور قتله إلى حياة حقيقية أرقى وأكمل في جنات النعيم: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}؛ فالروح الشهيدة تسرح في رياض الجنة وتطعم من ثمارها وتأوي إلى قناديل تحت العرش وتتمنى هداية الأحياء، فالموت في سبيل الله هو بداية الحياة الحقيقية الدائمة.
إيجاز الحذف الخارق: حذف مشهد القتل وما لاقاه من تعذيب إكراماً لمقامه وتصغيراً لشأن كيد الكافرين، وإبرازاً للبشرى والكرامة الفورية.
بناء الفعل للمجهول في {قِيلَ}: للدلالة على التعظيم؛ فالقائل هو الرب الرحيم أو الملائكة المقربون المتلقون لروحه الطاهرة بالتحية والسلام.
أسلوب التمني بـ {يَا لَيْتَ}: تمنٍّ للخير والهدى لمن قتلوه وظلموه، مما يعكس نقاء قلوب الصديقين وخلوها من الغل والحقد الدنيوي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سلامة الصدر والرحمة بالمدعوين: أعظم صفات الداعية الصادق أن يحمل قلباً رحيماً شفيقاً يرجو الهداية حتى لأعدائه الذين يؤذونه ويحاربونه، مقتدياً بهذا الشهيد، وبسيد المرسلين ﷺ حين كُسرت رباعيته وشُج وجهه وقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».
اليقين بالكرامة الأخروية الفورية: تسلية لكل من يُبتلى أو يُظلم في سبيل دينه؛ فكل عناء الدنيا يزول وينسى في أول غمغم في الجنة حين يُقال له: {ادْخُلِ الْجَنَّةَ}.