البرهان العقلي والكوني الثالث؛ وهو برهان قياس الأدنى على الأعلى والأصغر على الأكبر؛ حيث يستدل القرآن بعظمة خلق السماوات والأجرام الهائلة والأرض الممتدة على سهولة إعادة خلق هؤلاء البشر الضعفاء؛ فالصانع العظيم الذي بنى السماوات السبع في اتساعها وأحكم الأرض في تضاريسها قادر بالبداهة العقلية الأولى على أن يخلق أمثال هؤلاء البشر ويعيدهم بعد موتهم، ثم يقرر الجواب الحتمي الذي لا يملك أي عقل إلا أن يجيب به: «بلى» إنه لقادر، وهو الخلاق العظيم كثير الخلق ومبدعه، العليم بكل ذرة وتفصيل في الوجود.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 649)جامع البيانالطبري٢٠/٦٤٩: «يقول تعالى ذكره: أوليس الإله العظيم الذي خلق هذه السماوات السبع في عظمها وارتفاعها، وهذه الأرضين في اتساعها وكثافتها، بقادر على أن يخلق مثل هؤلاء الإنس الضعفاء فيعيدهم أحياء كهيئتهم بعد بلائهم؟ بلى هو قادر على ذلك، وهو الخلاق الذي يخلق ما يشاء من أنواع الخلق، العليم بكل ما خلق ويخلق، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء».
وقرأ الجمهور {بِقَادِرٍ} اسم فاعل، وقرأ يعقوب الحضرمي {يَقْدِرُ} فعلاً مضارعاً.
وقرأ الجمهور {وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} بصيغة المبالغة «الخلاق»، وقرأ الأعمش وزيد بن علي {الْخَالِقُ الْعَلِيمُ} باسم الفاعل.
وقال ابن كثير: «هذا كقوله تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، فمن قدر على العظيم الهائل الذي لا تحد أطرافه فهو على الضعيف الحقير أقدر وأهون».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَن يَخْلُقَ}: «أن» مصدرية ناصبة، «يخلق» فعل مضارع منصوب بالفتحة، والفاعل مستتر تقديره هو، والمصدر المؤول في محل جر بعلى، والجار والمجرور متعلق بقادر.
{مِثْلَهُم}: مفعول به منصوب بالفتحة، و«هم» ضمير متصل في محل جر بالإضافة، يعود على الإنس والبشر.
{بَلَىٰ}: حرف جواب لإبطال النفي وتقرير الإثبات؛ أي بلى هو قادر على ذلك سبحانه.
{وَهُوَ}: الواو استئنافية، «هو» ضمير منفصل مبتدأ.
{الْخَلَّاقُ}: خبر أول للمبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو صيغة مبالغة تفيد كثرة الخلق وعظمته وتجدده.
{الْعَلِيمُ}: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة؛ أي المحيط بكل شيء علماً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الدليل يمثل قمة التدرج الحجاجي المنطقي في سياق السورة؛ فبدأ أولاً ببرهان النشأة الأولى من النطفة {أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ}، ثم ثنى ببرهان إخراج الضد من الضد {مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا}، ثم صعد إلى البرهان الكوني الأكبر وهو خلق السماوات والأرض، ليغلق كل باب من أبواب الشك أو الاستبعاد في العقل البشري.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استصغار إعادة الإنسان المنعدم أمام عظمة الأجرام الفلكية: كيف يتجرأ الإنسان على استبعاد إعادته والكون كله يشهد بعظمة خالقه؟
رد الشبهة بالمحاكمة الرياضية والعقلية للأبعاد والكتل: المقارنة العقلية تفحم الملحد؛ فالإنسان بجرمه لا يمثل إلا ذرة مهملة تائهة في مجرة تحوي مئات المليارات من النجوم، والأرض كلها كحبة رمل في فضاء الكون السحيق؛ فالصانع المهندس الذي أبدع هذا الكون المترامي الأطراف وحفظ توازنه بغير عمد تُرَى، كيف يستثقل عقلاً إعادة تكوين ذرات هذا الإنسان الضعيف؟ إن الشك في قدرته بعد رؤية السماء هو قمة العمى والجهل.
الاستفهام التقريري المصدر بـ {أَوَلَيْسَ}: لحمل السامع على الإقرار الفوري والاعتراف القسري بالعجز.
التصريح بالجواب الإلهي الفوري {بَلَىٰ}: لقطع دابر التردد، وتلقين الخاطر الإنساني كلمة الحق واليقين.
صيغة المبالغة في {الْخَلَّاقُ}: للدلالة على أن الخلق شأن مستمر دائم للرب سبحانه في كل لحظة، يخلق ما يشاء ويبدع ما يريد دون انقطاع، والقرن باسم {الْعَلِيمُ} يربط بين القدرة اللانهائية والعلم المحيط.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
النظر في السماء والأفلاك لتعظيم الخالق؛ فكلما نظر المؤمن إلى النجوم والمجرات تجدد في قلبه الخضوع واليقين بأن ربه على كل شيء قدير.
إجابة النداء القرآني بالقلب واللسان؛ فمن السنة إذا قرأ المسلم هذه الآية أن يقول: «بلى وهو الخلاق العليم»، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.