إعلان صريح وشجاع من مؤمن آل يس بأن اتخاذ الشركاء وعبادة غير الله هي قمة الضلال الواضح الفاضح الذي لا شك فيه.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 556)جامع البيانالطبري٢٠/٥٥٦: «يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل هذا المؤمن: إني إن اتخذت من دون الله آلهة لا تملك ضراً ولا نفعاً، إذاً لفي ضلال مبين؛ أي لفي ذهاب عن طريق الحق، وجور عن قصد السبيل، بين وواضح لمن رآه وتأمله أنه خسران مبين».
وقال ابن كثير: «أي إني إن تركت عبادة من فطرني وعبدت هذه الأوثان العاجزة لكنت في ضلال ظاهر لا يخفى على عاقل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنِّي}: حرف توكيد ونصب، والياء ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها.
{إِذًا}: حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل له؛ والمعنى: إن فعلت ذلك واتخذت آلهة من دونه.
{لَّفِي}: اللام هي اللام المزحلقة تفيد توكيد الخبر، «في» حرف جر يفيد الظرفية المجازية واستغراق الانغماس في الضلال.
{ضَلَالٍ}: اسم مجرور بـ «في» وعلامة جره الكسرة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر «إن». والضلال: العدول والانحراف عن الصراط المستقيم، وأصله الضياع والهلاك.
{مُّبِينٍ}: نعت لـ {ضَلَالٍ} مجرور بالكسرة الظاهرة؛ أي بيّن ظاهر لكل ذي عينين وعقل أنه باطل وسفه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية بمثابة النتيجة الحتمية للمقدمة المنطقية السابقة؛ فبعد أن بين عجز الآلهة المزعومة عن دفع الضر وجلب النفع في الآية (23)، رتب عليها هذا الحكم الجازم بحرف الجزاء {إِذًا}: {إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.
تعريض بليغ بقومه؛ فإذا كان هو -وهو رجل واحد- سيكون في ضلال مبين إن أشرك بالله، فكيف بهم وهم أمة مقيمة على الشرك عابدة للأصنام؟! فكان هذا أبلغ في إيقاظ ضمائرهم دون تصريح جارح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة النسبية في الضلال والهدى عند الفلسفات المعاصرة: يزعم بعض الحداثيين أن الضلال والهدى أمور نسبية تخضع لثقافة كل مجتمع وليس هناك ضلال موضوعي مطلق.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية الفطرية: وصف القرآن الشرك بأنه {ضَلَالٍ مُّبِينٍ}؛ أي ضلال ظاهر الدلالة بيّن السقوط في بدائه العقول؛ فمساواة الحجر الأصم العاجز بالخالق الرازق الفاطر السميع البصير ليست وجهة نظر ولا اختلافاً ثقافياً مشروعاً، بل هي قمة التناقض العقلي والانحدار الإنساني الواضح لكل من تجرد من الهوى والتقليد الأعمى.
المؤكدات البلاغية الثلاثة: {إِنَّ} + اللام المزحلقة + حرف الجزاء {إِذًا}؛ لإظهار عمق يقينه وبصيرته النافذة، وأنه يقول هذا الكلام عن قناعة راسخة كالجبال.
استعمال حرف الظرفية {فِي}: استعارة تمثيلية؛ حيث صوّر الضلال كأنه وادٍ سحيق مظلم أو بركة ماء آسنة ينغمس فيها المشرك حتى تحيط به من كل جانب.
التنكير في {ضَلَالٍ} والوصف بـ {مُّبِينٍ}: لتفخيم فظاعة هذا الانحراف وبيان وضوح عواره وسفاهته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الشجاعة في تسمية الأشياء بأسمائها: المؤمن لا يجامل في قضايا العقيدة والتوحيد؛ فالشرك ضلال مبين، والبدعة ضلالة، والواجب الصدع بالحق وتوصيف الباطل بحقيقته دون مداهنة.
محاسبة النفس الدائمة: أن يراجع المسلم نفسه دائماً ليحذر من الانزلاق إلى أي مسلك من مسالك الضلال؛ معتصماً بنور الوحي وصراط الله المستقيم.