حكاية لشبهة أهل القرية التقليدية الساقطة التي تكررت على ألسنة الأمم المكذبة عبر التاريخ؛ وهي شبهة استنكار بشرية الرسل ونفي إنزال الوحي، واتهام الرسل الصادقين بالكذب والافتراء.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 543)جامع البيانالطبري٢٠/٥٤٣: «يقول تعالى ذكره: قال أهل القرية المكذبون للرسل: ما أنتم أيها الثلاثة إلا بشر من بني آدم مثلنا؛ تأكلون مما نأكل وتشربون مما نشرب، فما الذي فضلكم علينا حتى تكونوا رسلاً دوننا؟! وما أنزل الرحمن من وحي ولا كتاب على أحد من البشر، وما أنتم إلا تكذبون فيما تدعونه من الرسالة والوحي».
وقال قتادة: «هذه شبهة كل أمة كافرة؛ قالوا كما قال من قبلهم: {أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ}، و{مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ}، فاستكبروا أن يتبعوا رجلاً من جنسهم».
وقال ابن كثير: «ردوا دعوة الرسل بشبهة داحضة قديمة، فأنكروا أصل النبوة وجحدوا الوحي واتهموا الرسل بالكذب الصراح».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالُوا}: فعل ماض والواو فاعل؛ أي قال أهل القرية للرسل.
{مَا}: نافية مهملة لوجود إلا.
{أَنتُمْ}: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
استخدام صيغ الحصر بالنفي والاستثناء ثلاث مرات في آية واحدة؛ لبيان مدى تحجر عقولهم وتصلب عنادهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اشتراط الملائكية في الرسل واستنكار بشريتهم: يزعم المشركون أن الله لو أراد إرسال رسول لأرسل ملكاً لا يعتريه الجوع ولا التعب ولا الضعف البشري.
رد الشبهة وتفجير التناقض العقلي في دعواهم:
اقتضت حكمة الله ولطفه بالبشر أن يكون الرسول من جنس المرسَل إليهم؛ ليتمكنوا من مخاطبته وفهم كلامه والتأسي بأفعاله وأخلاقه، فلو كان الرسول ملكاً لما استطاعوا رؤيته على صورته النورانية إلا أن يصعقوا، ولو تمثل لهم رجلاً لعادت الشبهة ذاتها وقالوا: ما هو إلا بشر مثلنا: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}.
المماثلة في البشرية الظاهرة لا تنفي تمايز النفوس واصطفاء الله لمن يشاء من عباده بحمل الوحي: {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}.
تناقضهم العجيب في اعترافهم بصفة «الرحمن»: {وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَٰنُ}؛ فكيف يقرون بأنه رحمن ثم يزعمون أنه يترك عباده هملاً في ظلمات الجهالة دون أن ينزل عليهم وحياً يهديهم؟! فإن تمام الرحمة يقتضي حتماً إنزال الوحي وإرسال الرسل.
تكرار أساليب القصر الثلاثية: {مَا... إِلَّا}، {وَمَا... مِن شَيْءٍ}، {إِنْ... إِلَّا}؛ تصوير بياني لحالة الاختناق الفكري والرفض المطلق الذي سيطر على عقولهم حتى أغلقوا كل أبواب الحوار.
زيادة «من» الاستغراقية في {مِن شَيْءٍ}: للدلالة على إنكارهم الجذري لأي صورة من صور الوحي الإلهي.
التناقض البياني الفاضح: التلفظ باسم {الرَّحْمَٰنُ} مع نفي مقتضى الرحمة وهو الإرشاد والهداية؛ مما يدل على أنهم يتكلمون بكلمات لا يفقهون لوازمها العقلية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تشخيص أسلحة الباطل عبر العصور: ينبغي للداعية أن يعلم أن اتهامات أهل الباطل للحق لا تتغير؛ فهي تدور دائماً حول الطعن في شخوص الدعاة (أنتم بشر، تبحثون عن مصالح، كاذبون)، ونفي صلاحية المنهج للحياة، والواجب هو الثبات ومواجهة الشبهات بالحكمة والبرهان.
معرفة قيمة النعمة بالرسالة البشرية: أن يشكر المؤمن ربه أن بعث فيه رسولاً من أنفسهم يعلمهم ويزكيهم ويكون لهم أسوة حسنة في الصبر والجهاد والعبادة.