قضاء إلهي نافذ ومسبوق في علمه الأزلي بوجوب العذاب وحلول كلمة الشقاء على أكثر هؤلاء المكذبين، بسبب استكبارهم وإصرارهم على العناد.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 529)جامع البيانالطبري٢٠/٥٢٩: «يقول تعالى ذكره: والله لقد وجب العذاب، وثبتت كلمة الله وسابق علمه على أكثر هؤلاء المشركين من قريش بأنهم من أهل النار، فهم من أجل ذلك لا يصدقون بالله ورسوله ولا يقرون بالحق».
وقال قتادة في قوله: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ}: «أي وجب العذاب على أكثرهم في علم الله وقضائه المبرم، فسبق عليهم القضاء بالشقاوة».
وقال ابن كثير: «أي وجب عليهم القضاء بالعذاب، وهو قوله تعالى لإبليس: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}؛ فقد سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون مهما جاءتهم من آية».
ونزلت الآية في صناديد قريش كأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف الذين كفروا وعاندوا حتى هلكوا على كفرهم في بدر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَقَدْ}: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، «قد» حرف تحقيق يفيد ثبوت وتحقق الوقوع.
{حَقَّ}: فعل ماض مبني على الفتح؛ ومعنى حق: وجب وثبت ولزم لزوماً لا مدفع له.
{الْقَوْلُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة؛ والمراد بالقول: كلمة العذاب والقضاء الإلهي الأزلي السابق بالشقاوة لمن استكبر وعاند.
{عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ}: متعلق بـ {حَقَّ}، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{فَهُمْ}: الفاء سببية أو عاطفة، «هم» ضمير منفصل مبتدأ.
{لَا}: نافية لا عمل لها.
{يُؤْمِنُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ «هم».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإعلان الصادم جاء بعد بيان وظيفة الإنذار في الآية السابقة: {لِتُنذِرَ قَوْمًا...}؛ لئلا يظن النبي ﷺ أنه مفرط إذا لم يؤمن أكثرهم، فأخبره الله أن سابق علمه وقضاءه قد نفذ في أكثر هؤلاء المعاندين بأنهم لن يؤمنوا؛ لعلم الله المسبق باختيارهم الباطل واستكبارهم وموت قلوبهم.
التعبير بـ {عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ} احتراس قرآني بديع؛ لأن منهم من آمن وحسن إسلامه بعد ذلك كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم، فلم يعمم الحكم على الجميع بل قصره على الأكثرين الذين ماتوا على كفرهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجبر واحتجاج الكفار بسابق القضاء: قد يقول معترض: إذا كان القول قد حق عليهم بعدم الإيمان أزلاً، فكيف يؤاخذون ويعاقبون وهم مجبرون على الكفر؟!
رد الشبهة والتحقيق السلفي المحكم: يقرر علماء أهل السنة والجماعة:
أن علم الله أزلي كاشف محيط وليس جبرياً قسرياً؛ فالله تعالى علم أزلاً ما سيختاره هؤلاء المكذبون بإرادتهم الحرة وعنادهم المستكبر، فكتب وقضى على وفق ما علم من اختيارهم.
ثبوت القول عليهم كان بعد أن قامت عليهم الحجة بإنزال القرآن ومجيء النذير، فكفروا بمحض اختيارهم وعاندوا الحق؛ فكان خذلانهم وطبع قلوبهم عقوبة عادلة على استكبارهم: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}.
التوكيد بالقسم و«قد» في {لَقَدْ حَقَّ}: لتقرير الحتمية المطلقة التي لا مبدل لها لكلمات الله.
التعبير بـ {الْقَوْلُ} معرّفاً بأل العهدية: إشارة إلى كلمة العذاب المعهودة المعلومة في التنزيل: {وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ}.
الفاء السببية في {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}: لبيان أن عدم إيمانهم صار نتيجة حتمية واستحقاقاً لازماً بعد ثبوت القول وانسداد منافذ البصيرة في قلوبهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تسلية قلب الداعية عند صدود الجماهير: على الداعية ألا ينكسر ولا يحزن إذا رأى أكثر الناس معرضين عن الحق؛ فإن الهداية ليست بيد البشر، وأكثر الناس لا يؤمنون كما أخبر الله، والواجب هو البلاغ والإنذار.
الخوف العظيم من مكر الله وسلب الإيمان: أن يرتجف قلب المؤمن خوفاً من أن يحق عليه القول بالخذلان، فيكثر من التضرع: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».