مشهد الخرس الإجباري وإلجام الألسنة ونطق الجوارح بالشهادة في المحاكمة الكبرى؛ حيث يلجأ المشركون والكفار في عرصات القيامة إلى الكذب وإنكار جرائمهم: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، فيختم الله العلي العظيم على ألسنتهم ويمنعهم من النطق، ويأمر جوارحهم وأيديهم وأرجلهم وجلودهم أن تنطق وتتكلم وتفضح كل ما باشرته واقترفته في خلوات الدنيا، فتشهد الجوارح بالحق الذي لا ريب فيه.
ثبت في «صحيح مسلم» (حديث 2968) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال: «هل تدرون مم أضحك؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «من مخاصمة العبد لربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى. قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني. قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبالكرام الكاتبين شهوداً. قال: فيُختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعداً لكنّ وسحقاً، فعنكنّ كنت أناضل!».
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 621)جامع البيانالطبري٢٠/٦٢١: «يقول تعالى ذكره: اليوم نطبع على أفواه هؤلاء المشركين فلا يتكلمون بألسنتهم، وتكلمنا أيديهم بما بطشت به وعملته من المعاصي والآثام في الدنيا، وتشهد أرجلهم بما مشت إليه وسعت فيه من الشرك والخطايا، جزاء بما كانوا يكسبون».
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: «لما رأى المشركون أن أهل الإخلاص يغفر لهم قالوا: تعالوا نجحد فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين، فيختم الله على أفواههم وتنطق أيديهم وأرجلهم بما كتموا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْيَوْمَ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بنختم.
{نَخْتِمُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر وجوباً تقديره نحن، والختم: الطبع وتغطية الشيء وإغلاقه بإحكام بحيث لا يخرج منه شيء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإفحام القضائي المطلق يكشف نهاية كل محاولات التملص والخداع؛ فلما حاولوا الإنكار بعد معاينة جهنم، أسقط الله وسيلتهم في الكذب بالختم على الأفواه، وجعل الشهود من صلب ذواتهم وأبدانهم، فلا مجال لإنكار أو تزوير.
التوزيع البياني الدقيق: جعل الكلام للأيدي {وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ} لأنها المباشرة لأغلب الأعمال والبطش، وجعل الشهادة للأرجل {وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم} لأنها الساعية والحاضرة مع اليد في كل مشهد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استبعاد نطق اللحم والجلد والعظم الذي لا لسان له: كيف تتكلم اليد أو تشهد الرجل وهي جماد لا تعي ولا تنطق في المألوف البشري؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية والعلمية لطلاقة القدرة الإلهية: نطق الجوارح أمر بينه القرآن في موضع آخر رداً على تعجب الكفار أنفسهم: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}؛ فالذي أودع القدرة على الكلام في قطعة لحم رخوة هي اللسان، قادر بالبداهة العقلية على إنطاق اليد والجلد والأصابع، وفي العصر الحديث نرى البصمات والمستشعرات والأجهزة الصماء تسجل كل حركة وصوت وتشهد على الإنسان، فكيف بصانع الأجهزة وخالق الخلايا سبحانه!
التنكيس والإذلال بالختم على الفم: الفم هو عضو الكلام والبيان والمفاخرة، فلما استعمله في الكذب أُخرس وأُهين بالختم والطبع.
التصوير الحواري المذهل بين الخالق والجوارح {تُكَلِّمُنَا}: استحضار لهيبة الموقف؛ فالأيدي لا تتكلم مع القضاة أو الملائكة فقط، بل تكلم رب العزة مباشرة بكامل الخضوع والاعتراف.
استعمال التعبير بـ {يَكْسِبُونَ}: لإثبات المسؤولية الذاتية الكاملة؛ فكل ذنب فعلوه كان باكتسابهم واختيارهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار رقابة الله ومراقبة الجوارح في الخلوات؛ فالمؤمن يعلم أن يده ورجله وعينه أمانات ستنطق غداً وتفضح كل مستور، فيعفها عن الحرام.
الحذر من الظلم وأكل أموال الناس بالباطل؛ فما كتبته اليد أو قبضته رشوة أو غصباً سينطق عليها أمام المحكمة الإلهية التي لا شهود زور فيها.