نداء تحسر وتنديم وتوجع عظيم على حال البشرية الغافلة عبر التاريخ؛ التي تصر على مقابلة أعظم نعم الهداية والرحمة (الرسل والكتب) بالسخرية والاستهزاء، فتورد نفسها موارد الهلاك والدمار.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 565)جامع البيانالطبري٢٠/٥٦٥: «يقول تعالى ذكره: يا حسرة وندامة من العباد المكذبين لرسلهم على أنفسهم يوم القيامة حين يعاينون عذاب الله وبأسه، فيندمون ولات ساعة مندم؛ وذلك أنهم ما أتاهم من رسول من عند الله يدعوهم إلى التوحيد والهدى إلا قابلوه بالاستهزاء والسخرية والتكذيب فأهلكوا أنفسهم».
وقال قتادة في قوله: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ}: «يا ويل العباد على ما فرطوا في أمر الله، ويا حسرة عليهم حين ضيعوا أمر الله وكذبوا رسله».
وقال ابن عباس ومجاهد: «الحسرة: الندامة الشديدة من الكفار يوم القيامة حين رأوا عذاب الله وما فاتهم من ثواب الإيمان».
وقرأ الجمهور {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ}، وقرأ ابن عباس وأبي بن كعب وعكرمة في قراءة شاذة تفسيرية: «يا حسرةَ العبادِ على أنفسهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَا}: حرف نداء واستغاثة وتحسر وتنبيه.
{حَسْرَةً}: منادى شبيه بالمضاف (أو نكرة غير مقصودة) منصوب بالفتحة الظاهرة. والحسرة في لسان العرب: أشد التلهف والندم على ما فات بحيث ينحسر عنه الصبر والقوة، مأخوذة من انحسار الشيء إذا انكشف وزال؛ فالنادم ينحسر عنه ستر اغتراره فيظهر قبح ما فرط فيه.
{عَلَى الْعِبَادِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ {حَسْرَةً} أو متعلق بالحسرة؛ والمراد بالعباد: المكذبون من بني آدم الذين سلكوا مسلك أصحاب القرية.
{مَا}: نافية لا عمل لها.
{يَأْتِيهِم}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به مقدم والميم للجمع.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص مبني على الضم والواو اسمه.
{بِهِ}: متعلق بـ {يَسْتَهْزِئُونَ}.
{يَسْتَهْزِئُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر «كانوا»، وجملة «كانوا به يستهزئون» في محل نصب حال من «رسول»؛ أي ما يأتيهم رسول في حال من الأحوال إلا مقروناً باستهزائهم وسخريتهم به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم يمثل التعقيب الإلهي الكلي والتعليق التربوي الجامع على قصة أصحاب القرية وقصص الأمم السابقة بأسرها؛ فبعد أن عرض مصير أهل القرية وخمودهم بالصيحة، التفت السياق ليعلن هذه الآهة والحسرة العامة على جهل الإنسان وضياعه المستمر.
صياغة السنة النفسية والاجتماعية في التعامل مع الأنبياء: {مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}؛ ليعلم النبي ﷺ والصحابة أن الاستهزاء والسخرية التي يلقونها من كفار قريش هي الطريقة المتبعة لأهل الباطل في كل زمان، فلا يحزنهم ذلك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة نسبة «الحسرة» إلى الله تبارك وتعالى: قد يتوهم قاصر الفهم أن الله هو الذي يتحسر على العباد، والحسرة نقص وانفعال نفسي لا يليق بذات الله وجلاله.
رد الشبهة والتحقيق البياني والتأويلي الصارم عند السلف:
بين أئمة السنة والتفسير (كالطبري وابن كثير والقرطبي والرازي) أن النداء في {يَا حَسْرَةً} هو تنزيل لـ «الحسرة» منزلة الشيء الذي يُنادى ليحضر؛ أي: هذا أوانكِ يا حسرة فاحضري على هؤلاء العباد؛ لأن حالهم أفظع حال يستوجب التحسر والتلهف من كل عاقل وناصح وملَك ومؤمن، فالمراد بيان فداحة خسارتهم وعظم ما فرطوا فيه.
أو هو حكاية لـ «حسرة العباد أنفسهم» يوم القيامة حين يقفون بين يدي الله ويعاينون النار فيتحسرون قائلين: يا حسرتنا على ما فرطنا في جنب الله! فالله تعالى منزه عن الانفعالات الناقصة، والقرآن يستعمل هذه الأساليب البلاغية لتقريب عظم المصيبة إلى مدارك البشر.
النداء المجازي في {يَا حَسْرَةً}: استعارة تمثيلية بتشخيص المعاني؛ حيث شخّص «الحسرة» كأنها شخص يُنادى ليحضر ويشهد مهزلة هذا الإنسان الذي يهلك نفسه بالسخرية من مخلصه ومنقذه.
الاستغراق والعموم التام بـ «من» الزائدة في {مِّن رَّسُولٍ}: للتأكيد على مطردية هذه الظاهرة المرضية عبر سائر عصور النبوات بلا استثناء.
التعبير بالفعل المضارع {يَسْتَهْزِئُونَ} بعد «كانوا»: للدلالة على استمرار السخرية وتكرارها واعتيادهم عليها، فصار الاستهزاء منهجاً وسلاحاً للضعفاء العاجزين عن مواجهة الحجة بالحجة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تسلية الدعاة أمام حملات السخرية والاستهزاء: إذا رأى الداعية المعاصر سخرية السفهاء والملحدين من شعائر الإسلام والحجاب والقرآن وسنة النبي ﷺ، فليتذكر أن هذا شأن كل الرسل عبر التاريخ؛ فالسخرية سلاح المفلس، والواجب هو الثبات واليقين بأن العاقبة للمتقين.
الخوف من الحسرة الأبدية يوم القيامة: تذكير النفس بألا تفوت أيام العمر في الغفلة حتى لا يكون العبد من أهل هذه الحسرة التي لا تنقطع، والمبادرة إلى توقير الرسل وتعظيم شرائعهم.