بيان عجز الآلهة الباطلة المطلق وخيبة المشركين وسخرية المشهد في المحشر؛ فهذه الأصنام والمعبودات المزيفة لا تملك أدنى استطاعة لنصرة عابديها ولا دفع العذاب عنهم، بل إن هؤلاء المشركين كانوا في الدنيا جنداً يخدمون أصنامهم ويغضبون لها ويدافعون عنها، وسيُحضر الجميع يوم القيامة معاً في النار ليكون العابدون وآلهتهم وقوداً للجحيم وحسرة على رؤوس الأشهاد.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 639)جامع البيانالطبري٢٠/٦٣٩: «يقول تعالى ذكره: لا تستطيع تلك الآلهة التي اتخذوها نصراً لهؤلاء المشركين ولا دفعاً للبلاء عنهم، وهم لهم جند محضرون؛ اختلف أهل التأويل في مرجع الضمائر: فقال قتادة والحسن ومجاهد: الكفار كانوا جنداً للأصنام في الدنيا يغضبون لها ويخدمونها ويحمونها، وهي جماد لا تقدر على نصرهم، ويحضرون جميعاً في النار يوم القيامة معاً. وقال آخرون: الآلهة ستكون جنداً محضرين معهم في النار لزيادة حسرتهم وخزيهم».
وقال ابن كثير: «أي هذه الآلهة أضعف وأعجز وأحقر من أن تنصرهم أو تدفع عنهم سوءاً، بل هؤلاء الكفار كانوا جنوداً لتلك الآلهة يذبون عنها ويخاصمون دونها، وكلهم محضرون في العذاب يوم القيامة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَا}: نافية لا عمل لها.
{يَسْتَطِيعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل يعود على الآلهة (وجُمعت جمع العقلاء معاملة لها معاملة العقلاء في زعم المشركين أو إهانة لها).
{نَصْرَهُمْ}: مفعول به منصوب بالفتحة وهو مصدر مضاف لمفعوله، و«هم» مضاف إليه يعود على المشركين.
{وَهُمْ}: الواو حالية أو استئنافية، «هم» ضمير منفصل مبتدأ يعود على المشركين.
{مُّحْضَرُونَ}: نعت لجند أو خبر ثانٍ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ أي محضرون في النار أو للحساب جميعاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الرد الحاسم جاء كالصاعقة على رجائهم الموهوم في الآية السابقة {لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ}؛ فنفى الاستطاعة نفياً كلياً بجملة {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ}، ثم كشف المفارقة الهزلية المخزية: أن العابد هو الذي كان يحمي المعبود الضعيف ويحرسه في الدنيا، وسيُساقان معاً مهانين إلى نار جهنم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عبادة ما يعجز عن نصرة نفسه فكيف بنصرة غيره: كيف يسوغ لعاقل أن يعبد حجراً منحوتاً لو بال عليه الثعلب لتلطخ، أو إلهاً مزيفاً يحتاج إلى حراسة الجيش لحمايته؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية لقلب موازين الفطرة في الشرك: سخر القرآن من هذا التناقض العقلي الفاضح؛ الإله الحق هو الذي يحمي ولا يُحمى، وينصر ولا يُنصر، ويرزق ولا يُرزق، أما المعبود الذي يكون عابده جنداً له يحرسه ويخدمه وينفق عليه فهو عبد مقهور عاجز لا يستحق مثقال ذرة من التقديس، وإحضارهم معاً في النار يسقط كل خرافة دينية باطلة: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}.
إجراء ضمير العقلاء على الأصنام {يَسْتَطِيعُونَ}: للتهكم والسخرية والتبكيت؛ فأنتم سميتموها آلهة وزعمتم أنها تسمع وتعقل، فانظروا إليها هل تملك ذرة من الاستطاعة في نصركم!
التصوير البديع للمفارقة المقلوبة {وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ}: حيث انقلبت العلاقة الطبيعية؛ فبدلاً من أن يكون الرب حامياً للعابد، صار العابد جندياً يحمي ربه المصنوع بيديه.
اسم المفعول {مُّحْضَرُونَ}: يفيد القهر والجبر وسلب الإرادة؛ فالجميع يساق إلى جهنم مقهورين لا يملكون تأخراً ولا فراراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتزاز بالعبودية لله الغني القوي العزيز؛ فالمؤمن يعبد رباً يحميه ويرزقه وينصره ويدبر أمره، ولا يحتاج سبحانه إلى عباده: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ}.
بطلان الولاءات الجاهلية؛ فكل نصرة تُبذل في سبيل الباطل والأصنام والطواغيت ستنقلب وبالاً وخزياً وندامة على أصحابها يوم القيامة.