الامتنان ببساتين النعيم وفاكهة الأرض ومصادر السقيا؛ فبعد ذكر الحب الذي هو قوام الأقوات وضرورة البقاء، ثنى بذكر الفواكه والجنات والملاذ التي تبهج النفوس وتتغذى بها الأبدان، وخص النخيل والأعناب لشرفهما وكثرة منافعهما، ثم ذكر العيون المتفجرة بالماء الزلال المستمر لدوام السقيا.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 568)جامع البيانالطبري٢٠/٥٦٨: «يقول تعالى ذكره: وغرسنا في هذه الأرض التي أحييناها بساتين وحدائق من نخل وعنب، وأجرينا فيها من عيون الماء ما تسقى به تلك البساتين والجنات رحمة بعبادنا وفضلاً».
وقال ابن كثير: «جعل فيها بساتين من نخيل وأعناب، وهما أشرف الأشجار في بلاد العرب وثمارها من أطيب الأغذية والأدوية، وفجر فيها من العيون؛ أي نبع الماء من باطنها ليكون أهنأ وأمرأ لسقيها دون كلفة».
وقال السعدي: «ذكر تعالى ما يسر به العباد من الحدائق الملتفة المشتملة على أطيب الثمار، وكيف شق الأرض بالعيون السارحة لسقيها».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَجَعَلْنَا}: الواو عاطفة، «جعلنا» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» ضمير فاعل.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلق بجعلنا.
{جَنَّاتٍ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة الظاهرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{مِّن نَّخِيلٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ «جنات».
{وَأَعْنَابٍ}: الواو عاطفة، «أعناب» معطوف على نخيل مجرور بالكسرة.
{وَفَجَّرْنَا}: الواو عاطفة، «فجرنا» فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل. والتفجير مبالغة في الشق والإجراء بكثرة.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلق بفجرنا.
{مِنَ الْعُيُونِ}: جار ومجرور في محل نصب مفعول به أو متعلق بمحذوف مفعول به تقديره: عيوناً، و«من» للتبعيض أو لبيان الجنس.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الترتيب البديع يعكس التدرج من الضروري إلى الكمالي الترفيهي؛ فبدأ أولاً في الآية السابقة بالحب الذي هو أصل القوت الأساسي لمعاش الآدمي، ثم ثنّى بالجنات والنخيل والأعناب التي تجمع بين القوت والفاكهة والحلاوة، ثم ختم ببيان وسيلة حفظ هذه النعمة وهي العيون المتفجرة التي تديم خضرتها ولا تنقطع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة نماء الأشجار للصدفة أو الطبيعة الصماء: زعم الماديون أن التربة إذا توفر لها الماء نبت الشجر صدفة بقوانين الطبيعة دون إرادة خالق عليم.
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية للتنوع المقصود: التربة واحدة والماء المسكوب واحد، فكيف تخرج هذه نخلة باسقة تثمر تمراً حلواً، وتلك شجرة عنب تتدلى عناقيدها غضة لينة، مع اختلاف الطعوم والروائح والمنافع؟ هذا التباين البديع في أرض واحدة دليل قاطع على قصد الفاعل المختار وقدرته وامتناع الصدفة العمياء، كما قال تعالى في موضع آخر: {يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ}.
الإشارة التدبرية: باطن الأرض المظلم يحوي المياه العذبة الرقراقة، كما تكمن الهداية والنور في قلوب المؤمنين التي يفجر الله فيها ينابيع الحكمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار عظمة نعم الله في البيئة المحيطة؛ فالخضرة وظلال الأشجار وتدفق المياه ليست مجرد متعة حسية، بل هي محاريب تفكر تعرج بالروح إلى محبة المنعم جل جلاله.
الحث على عمارة الأرض بالزراعة والغرس، والاقتداء بالهدي النبوي: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها».