افتتح الله تبارك وتعالى هذه السورة الكريمة بالحرفين المقطعين «يس»، وهو افتتاح معجز يسترعي أسماع المخاطبين، ويقرر إعجاز القرآن العظيم المركب من جنس هذه الحروف الهجائية التي ينطق بها العرب ومع ذلك عجزوا عن معارضته.
اختلف أئمة السلف في تأويل «يس» على أقوال مأثورة متقاربة:
القول الأول: قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير ومجاهد: معناه في لغة طيّئ أو الحبشة: «يا إنسان» أو «يا رجل»، والمراد به النبي محمد ﷺ؛ أي يا أيها الإنسان الكامل والرسول المصطفى.
القول الثاني: قال قتادة والحسن ومجاهد في رواية: هو اسم من أسماء القرآن الكريم افتتح الله به السورة كـ «حم» و«الم» و«طس».
القول الثالث: قال مالك والشعبي وابن جرير الطبري في «جامع البيان» (20/ 521)جامع البيانالطبري٢٠/٥٢١: هو حرف مقطع وقَسَم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: مفتاح السورة أقسم به على صدق نبوة محمد ﷺ؛ لأن ما بعده جواب قَسَم: {وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يس}: حرفان مقطعان من حروف المعجم، يُقرآن بأسمائهما: «يا، سين».
في إعرابه وتوجيه قراءاته وجوه متواترة:
الوجه الأول (الجمهور): مبني على السكون لا محل له من الإعراب كسائر فواتح السور، وكسرت النون في قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي وورش وصلاً لالتقاء الساكنين وإدغامها أو إظهارها عند الواو: {يس وَالْقُرْآنِ}، فقرأ قالون وابن كثير وحفص بالإظهار وكسر النون وصلاً أو سكونها، وقرأ ورش وحمزة والكسائي بالإدغام مع الإمالة أو الفتح.
الوجه الثاني: اسم للسورة في محل رفع مبتدأ، وخبره ما بعده، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره «اتل يس»، أو في محل جر واو القسم مقدرة.
الوجه الثالث: منادى مفرد علم بحرف نداء محذوف تقديره: «يا يس» (أي يا محمد أو يا إنسان) مبني على الضم في محل نصب إذا قُرئ بالضم شاذاً، والمشهور السكون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقع هذه الفاتحة المعجزة في مطلع السورة كصيحة تنبيهية هادئة تسلب ألباب المشركين وتلفت أنظارهم إلى هذا النظم الباهر.
التناسب مع خاتمة سورة فاطر: ختمت فاطر بذكر النذير وتأخير العذاب إلى أجل مسمى وعلم الله بالعباد، وافتتحت يس بالنداء والقسم على نبوة هذا النذير بالقرآن الحكيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة أن الحروف المقطعة طلاسم وألفاظ أعجمية لا معنى لها: زعم بعض المستشرقين والملاحدة أن فواتح السور مثل «يس» طلاسم غامضة لا صلة لها باللغة العربية.
رد الشبهة بالمحاكمة اللغوية الرصينة: يقرر علماء الأمة (كالطبري والقرطبي وابن تيمية) أن الحروف المقطعة أسلوب عربي أصيل عرفته العرب في فواتح قصائدها وكلامها، ومقصدها التحدي والإعجاز؛ فأنتم يا بلغاء العرب ويا أرباب الفصاحة هذا القرآن منزل بحروفكم التي تتخاطبون بها (ياء، سين، ألف، لام، ميم)، فإن كان من عند بشر فهاتوا سورة من مثله، فعجزهم المطبق مع توفر مادته الصوتية هو الدليل الحاسم على أنه تنزيل رب العالمين، وليست ألفاظاً مبهمة بل هي آية إعجازية ظاهرة.
براعة الاستهلال الصوتي: البدء بصوت اللين والمد في الياء، متبوعاً بالصفير والهمس في السين الممدودة، يحدث جرسًا نغميًا يأخذ بمجامع القلوب ويهيئ النفس لتلقي القسم العظيم.
الإيجاز الإشاري: الإيماء إلى أن هذا الدين شُيد بأبسط العناصر اللغوية ليصنع أعظم حضارة وأقوم منهج في الوجود.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار شرف الاصطفاء النبوي: إذا كان «يس» نداء للنبي ﷺ على قول ابن عباس، ففيه تلطف إلهي وتكريم عظيم لمقام النبي المصطفى لرفع همته وتثبيته في تبليغ الرسالة.
التأدب مع كتاب الله: وجوب الإقرار بأن في القرآن أسراراً من الحكمة والإعجاز يقف عندها العقل متأملاً خاشعاً، مقرّاً بعجزه أمام جلال التنزيل.