الانتقال المهيب إلى مشهد نفخة البعث والنشور وخروج الموتى من قبورهم مسرعين؛ حيث ينفخ إسرافيل عليه السلام النفخة الثانية في الصور فتعود الأرواح إلى أجسادها المحفوظة، فإذا بجميع الخلائق يخرجون سراعاً من قبورهم يهرعون إلى موقف الحساب بين يدي ربهم ومولاهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (20/ 598)جامع البيانالطبري٢٠/٥٩٨: «يقول تعالى ذكره: ونفخ في الصور نفخة البعث، وهي النفخة الثانية، فإذا هؤلاء الموتى يخرجون من قبورهم سريعاً، ينسلون إلى ربهم؛ والنسلان: سرعة المشي وإسراع الخطو، كما ينسل الذئب في عدوه».
وقال مجاهد وقتادة: «النسلان: هو الإسراع؛ يخرجون من القبور يهرعون إلى دعوة الداعي».
وقال ابن كثير: «هذه هي النفخة الثانية وهي نفخة البعث والقيام لرب العالمين، و{الْأَجْدَاثِ} هي القبور، {يَنسِلُونَ} أي يسرعون كما قال تعالى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَنُفِخَ}: الواو عاطفة أو استئنافية، «نُفخ» فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح، وهو بلفظ الماضي للدلالة على تحقق الوقوع وثبوته في علم الله.
{فِي الصُّورِ}: جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل لـ «نُفخ». والصور: هو القرن العظيم الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام.
{فَإِذَا}: الفاء عاطفة تفيد الفورية والمفاجأة، «إذا» حرف فجاءة.
{هُم}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{مِّنَ الْأَجْدَاثِ}: جار ومجرور متعلق بينسلون، والأجداث جمع جدث وهو القبر.
{إِلَىٰ رَبِّهِمْ}: جار ومجرور متعلق بينسلون وقُدّم لإفادة الحصر والقصد؛ أي إلى حكم ربهم وموقف حسابه لا إلى ملجأ سواه.
{يَنسِلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ «هم»، وجملة الفجاءة معطوفة على نفخ. والنسلان: المشي السريع بارتفاع وتقارب خطو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التحول من الموت الهامد بالصيحة الأولى في الآية السابقة إلى الانبعاث والنسلان السريع بالنفخة الثانية يعكس كمال القدرة الإلهية وسرعة القيامة؛ فبين النفختين طويت العصور والأزمان، وحضر المشهد الأخروي حياً مجسداً أمام الأعين.
تناسب لفظ {يَنسِلُونَ} مع هول الموقف؛ فالأجساد تتدفق من شقوق الأرض كالسيول الجارفة نحو موقف القضاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استبعاد استجابة الرمات والتراب لصوت النفخة في القرن: كيف يحيي صوت ينفخ في الصور عظاماً نخرة ويبعثها حية تسعى؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لسلطان الأمر التكويني الإلهي: النفخ في الصور ليس مجرد هواء بشري عادي، بل هو إشارة تكوينية كونية مأمورة من رب العزة والجلال، ترافقه قدرة الله على جمع الأجزاء المتناثرة ورد كل روح إلى بدنها الأصلي؛ فالأمر كله بـ {كُن فَيَكُونُ}، فإذا جاء النداء لم تملك ذرات الوجود إلا الامتثال الفوري والانبعاث السريع.